تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

27

الجزء ٦ · صفحة ٣٧٧

﴿ فأوحَيْنا إليه ﴾ عقب ذلك بسبب ذلك ﴿ أن اصْنَع الفُلْكَ بأعْيُننا ﴾ ملتبساً بحفظنا لها عن أن يفسدوها ، وعن أن تزيغ فى صنعها ﴿ وَوَحْينا ﴾ إليك بكيفية صنعها ، اقرنه ملك يعلمه الصنع ، وتغطيتها بما لا ينفذه الماء كالقطران مع الجير ﴿ فإذا جاء ﴾ قرب جداً أو حضر ابتداء ﴿ أمرنا ﴾ عقب اتمامها ، وهو واحد الأمور ، وهو العذاب أو أمرنا لك بالركوب فيها .

﴿ وفار ﴾ نبع بالماء نبعاً شديداً ﴿ التَّنُّورُ ﴾ الذى من شأنه المنافرة للماء تنور آدم عند نوح ، أخبره امرأته لعنها الله بفورانه ، فركبُوا وهو فى موضع مسجد الكوفة عن يمين الداخل من باب كندة ، أو فى عين وردة من الشام ، أو بالجزيرة قريباً من الموصل ، او فى هند ، أو التنور وجه الأرض ، أو فار التنور عبارة عن شدة الأمر كحمى الوطيس ، وشمرت الحرب عن ساق .

﴿ فاسلك ﴾ أدخل ﴿ فيها من كلِّ زوجَين ﴾ نوعين ذكر وأنثى ﴿ اثْنَين ﴾ فرد من ذكر أو أنثى مفعول به لاسلك ، ليتوالد فلا ينقطع الجنس ، فحمل ديكاً وديكة ونعامة ذكراً وأنثى وغير ذلك مما يلد البيض ، وجملاً وناقة ، وهكذا فلم يحمل يغلاً ويغلة ، لأنهما لا يتوالدان ، ويكفى حمل ما يلدهما ، ولم يحمل ما يتولد من الماء أو الصفونة كالذباب والدود والبق ، والآية صريحة فى أن قوله تعالى : ﴿ اسلك فيها ﴾ متقدم على صنعها ، فيرد إليها قوله D : ﴿ حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ﴾ ﴿ قلنا احمل فيها ﴾ رد ظاهرة بعد صنعها ، وهو كذلك بأن القول قبل صنعها يتحقق ، وينفذ بعد صنعها ، أو ما هنا وهو القول قبل الصنع كالعدم بالنسبة إلى القول بعده لقوته ، وهو ما فى الآية الأخرى ، فكأنه قيل بعده ، وأولى من هذا لمن القول وقع قبل وبعد تنبيهاً وتأكيداً .

﴿ وأهْلك ﴾ أى من آمن بك ، ولو من غير قرابتك ، كما فى هود ، والعطف على اثنين ، ولا يتوهم أن الأهل من الزوجين ، لأن المراد اسلك فيها اثنين من كل زوجين وأهلك ﴿ إلا من سبق ﴾ فى قوله تعالى وفى اللوح المحفوظ ﴿ عليه القَوْل ﴾ بالإهلاك ﴿ منهم ﴾ من القوم والاستثناء منقطع ، لأن المراد بالأهل من آمن به ، وإن فسرنا الأهل بقرابته ، ومن تحت حكمه ، كان المراد بمن سبق عليه القول زوجه وابنه الكافر ، فيكون سائر من آمن به لم يذكر فى هذه الآية اكتفاء بذكره ، فى غيرها ولدلاله استثناء من سبق عليه القول ، لأن استثناء لكفره ، وأخر الأهل عن الاثنين من كل زوجين ، ولو قدمهم لطال الفصل بالاستثناء ، وما اتصل به من قوله :

﴿ ولا تُخاطبنى فى الَّذين طلمُوا إنَّهُم مُغْرقون ﴾ ولأن أهله يدخلون بأنفسهم واختيارهم مع قوله تعالى : ﴿ اسلك فيها ﴾ والاثنان من كل زوج لا يدخلان باختياهما ، بل بادخال نوح ، والمعنى لا تكلمنى فيهم بطلب انجائهم ، والمراد لا تخاطبنى فيهم ، وأظهر ليذكر سبب إغراقهم ، وهو الظلم لأنفسهم وللمؤمنين ولنوح ولدين الله ، أنهم مغرقون ولا بد أو مقضى عليهم بالإغراق فلا يتخلف ، ولا ياقل خاطبت الله لعدم الأدب فيه ، ولعدم وروده ، ولو قال لا تخاطبنى .

٢٬٨٧٧ / ٦٬٠٩٣