تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

12

الجزء ٨ · صفحة ٣٣٤

﴿ إنَّا نَحن ﴾ لا غيرنا ، أكد الاحياء بالجملة الاسمية ، وضمير غير المفرد فى مواضع ، وذكر نحن ولا تخفى التقوية بذلك لما قالوا : ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ قال الله جلا وعلا : ﴿ أنا الكفيل بالبعث فتشاهدونه ﴾ ﴿ نُحْيى الموْتى ﴾ من كفر ومن اتبع الذكر كلهم للجزاء ﴿ ونكتبُ ما قَدَّموا ﴾ من حسنات وسيئات كالخطا الى المساجد والى صلاة الجمعة ﴿ وآثارهم ﴾ كالصدقة الجارية ، والعلم الذى علمه غيره ، والتأليف وتأسيس الحق كنفى الرؤية ، وكتأسيس قوانين المعصية كإثبات الرؤية وكون صفاته تعالى غيره ، وقوانين الظلم ، قال A : « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا » ثم تلا الآية فالحديث تفسير للآية بالمعصية والطاعة المستمرين بعد موت صاحبها .

وكان بنو سلمة وغيرهم من الأنصار بناحية من المدينة بعيدة من المسجد النبوى ، وكان حول المسجد فراغ فأرادوا لاقرب منه ، فأنزل الله D : ﴿ ونكتب ما قدموا ﴾ الآية فدعاهم فقال : تكتب آثاركم وقرأ اية فتركوا القرب ، وكان A كارها لخلاء نواحى المدينة فقال : « يا بنى سلمة ألا تحتسبون آثاركم » فقالوا : يا رسول الله محتسب ولا يسرنا التحول ، والمراد بقوله : تكتب آثاركم الأخذ من قوله : ﴿ ونكتب ما قدموا ﴾ لا تفسير الآثار فى الآية بخطواتهم ، فإنه قد فسرها بما يستمر ، فلا يغرنك موافقة لفظ الآثار ، وهب أنها مرادة ، فليست بخصوصها ، بل بحيث إنه يقتدى بهم فى ترك القرب ، وفى المجىء من بعيد .

وفى الحديث : « أعظم الناس أجرا فى الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ، والذى ينتظر الصلاة مع الإمام أعظم أجراً من الذى يصلى ثم ينام » وقيل ما قدموا من النيات وآثارهم سائر الأعمال ، وهو مخالف لتفسير الحديث ، مع أن النية لا يطلع عليها الملك ، فلعل الله يكتبها بقدرته ، ومن ذلك ما ورد من أن الله جل وعلا يخرج للإنسان كتاباً فيه حسنات بالنية ، ويقول : لم يطلع عليها غيرى ، وفسر بعضهم الكتابة بالحفظ ، وبعض بالجزاء .

﴿ وكُل شَىء ﴾ مما يرجع إلى الدين أو غيره ﴿ أحْصَيناه ﴾ حفظناه ، وأصل الإحصار العد ، عبر به لأن العد لأجل الحفظ ، ويقال أصله العد بالحصى ﴿ فى إمامٍ مُبينٍ ﴾ اللوح المحفوظ ، لأنه إمام يعمل به ، ولا يخالف ، والمراد غير أحوال أهل الجنة وأهل النار ، لأنها لا تنحصر إلا أن خلق الله D ، وما كذلك لا يخلقه الله تعالى لغيره وذلك محال ، ولو جاز ذلك لجاز أن يخلق الألوهية لأحد ، كما أن معلومات الله لا تنقضى ، ومنها أحوال أهلها ، ومع ذلك هى محصورة عند الله ، ومعنى مبين : مظهر ملا كان وما يكون ، وقد يقال : اللوح المحفوظ مشتمل على الكل مطلقا شيئا فشيئا ، مثل أن يكتب ما فى ألف سنة ثم ما فى ألف بعدها ، وهكذا أو بتخالف العدد ، ولا نجزم بأن اللوح زمردة خضراء من وجه وياقوتة حمراء من آخر ، وقيل : اللوح المحفوظ علم الله .

٣٬٨٣٤ / ٦٬٠٩٣