13
الجزء ٨ · صفحة ٣٣٥﴿ واضْربْ لَهُم مثلا أصْحاب القَريْة ﴾ عطف قصة على أخرى ، وإنشاء على إخبار ، أو على محذوف بلا فاء أى أنذرهم ، واضرب لهم مثلا ، وأصحاب مفعول أول ، ومثلا مفعول ثان ، أى اجعل أصحاب القرية مثلا لهؤلاء فى الإصرار على التكذيب ، وضرب المثل تطبيق حال غريبة بحال مثلها فى الغرابة ، كقوله تعالى : ﴿ ضرب الله مثلا للذين كفروا ﴾ الخ ، وقد يستعمل ضرب المثل بمعنى ذكر أمر غريب ولو بلا تطبيق بالآخر ، أى واذكر لهم قصة غريبة كالمثل ، والتقدير : واضرب هلم مثلا مثل أصحاب القرية ، وأصحاب بدل من مثلا على حذف مضاف كما رأيت ، ومن القسم الأول ما شبه مضربه بمورده نحو : الصيف ضعيف اللبن ، والقرية أنطاكية .
﴿ إذْ جاءها المُرسلون ﴾ بدل اشتمال من أصحاب ، وليس ظرفا والمعنى واضرب هلم نفس وقت مجىء المرسلين إليها ، أو ظرف لبدل اشتمال محذوف من قرية ، والرابط ها فى جاءها ، أى الحادث أو الواقع ﴿ إذ جاءها المرسلون ﴾ أو بدل كل من أصحاب بتقدير قصة أصحاب القرية ، وها عائد إلى القرية ، ولم يقل جاءهم برد الضمير الى أصحاب ، إيذانا بأن المرسلين جاءوا أصحاب القرية ، وأصحاب القرية فى القرية ، ولم يلقوها خارجا ، ويجوز رد الضمير الى الأصحاب بتأويل الجماعة ، فيتبادر أنهم جاءوهم وهم فيها كذلك ، والمرسلون هم الحواريون ، أرسلهم عيسى حين أراد الله له الرفع الى السماء ، وإنما أسند الله الإرسال إليه تعالى فى قوله تعالى :
﴿ إذْ أرْسَلنا إليْهم اثْنَين ﴾ لأنه هو الذى أمر عيسى عليه السلام بإرسالهم ، وقال ابن عباس ، وكعب : المرسلون أنبياء الله ، أرسلهم إليها تقوية لعيسى عليه السلام بنصره ، وتصديقه فيما يقول ، قبل رفعه الى السماء ، كما أرسل هارون تقوية ونصرة لموسى عليهما السلام ، ويدل له قولهم : ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ فإ ، ه رد على من قال : إنا رسل من الله تعالى ، لا على من لم يقل ذلك مثل الحواريين ، وهو الظاهر من قوله D : « إذ أرسلنا إليهم اثنين » ويدل له أيضا ظهور المعجزة على أيديهم كإبراء الأكمه ، وإحياء الموتى كما فى بعض الآثار .
روى أن الاثنين أخذا بندقتين من طين ، فجعلاهما فى موضع العينين من صبى ممسوح كالجبهة ، فصارتا له عينين يبصر بهما ، وأن ابن دهقان مات منذ سبعة أيام أخر الملك دفنه حتى يجىء أبوه من سفر ، فطلب الملك منهما أن يحيياه فأحيياه بإذن الله تعالى ، وقالا : هل تفعل ذلك ألهتك؟ فقال : لا فآمن هو وقوم من رعيته ، ومن لم يؤمن مات بصيحة جبريل ، وقيل : كفر وعزم على قتلهما وقتل الثالث ، ولما حيى ابن الدهقان قال لهم : أحذركم من الإشراك ، فإنى أدخلت فى سبعة أودية من النار ، وذلك مختص بالأنبياء أصالة وغالبا ، إلا أنه قد يحتمل أنه كرامة لغير الأنبياء لا معجزة ، إذ لم يدعوا الرسالة ، وأنهم فهموا أنهم مبلغون عن الله تعالى ، وفهموا أنهم يدعون الرسالة من الله تعالى فنفوها عنهم ، وهم لم يدعوها ، وإنما بلغوا عن عيسى عليه السلام .