13
الجزء ٨ · صفحة ٣٣٦أو لما كان مرسلهم مدعى الرسالة عاملوهم معاملة مدعيها بنفيها عنهم قصداً الى نفيها عنه ، والاثنان : يوحنا وبولس ، أو ثومان و بولس ، أو شمعون ويوحنا ، أو صادق وصدوق ، أو نازوص وماروص ، وأما قوله جل وعلا : ﴿ فكذَّبُوهُما ﴾ فتابع لقوله : « إليهم » بخلاف المجىء ، فانه لا يختص بأن يكون الى العاقل ، وأصحاب تلك القرية يعبدون الأصنام .
﴿ فَعزَّزْنا ﴾ أى عززناهما أى صيرناهما عزيزين قويين ﴿ بثَالثٍ ﴾ شمعون الصفا ، أو سمعان ، أو شلوم ، أو بولص بالصاد أو بالسين ، لما سجنا وجلدا مائتى جلدة ، أتى هذا الثالث حتى توصل إلى الملك وأنس به ، وكان يعبد الله تعالى بحضرة الصنم ، فظن الملك أنه يعبد الصنم ، فكلم الملك فيهما فيقال : حال الغضب بينى وبينهما فالآن أحضرهما ، فقالا : إنا نعبد إلهاً قادرا لا صنما عاجزا عن إحياء ما مات ، فصدقهما الثالث .
﴿ فقالُوا ﴾ الاثنان والثالث ، والعطف على عززنا أو على كذبوا ﴿ إنَّا إِليْكُم مُرْسلون ﴾ قائله واحد ، والاثنان معه ، والسكوت رضاً وقبول ونصرة ، ولا سيما أنه قد حضروا ممعاً ، وهكذا قاعدة تكلم الجماعة أنه ليس يتكلم كل واحد ، بل واحد مع اتفاق الباقين ، وكذا فى قوله تعالى :
﴿ قالوا ﴾ أى أصحاب القرية للثلاثة ﴿ ما أنتُم إلا بشَرٌ مثْلنا ﴾ لا مزية لكم تختصوب لأجلها بالرسالة من الله تعالى ، أو بالمجىء بما جئتم ﴿ وما أنزْل الرَّحْمن ﴾ على أحد ﴿ من شىءٍ ﴾ تدعوننا إليه ، فهم مقرون بالله ، وسموه الرحمن إشارة الى انه عظيم الرحمة وكثيرها ، لا يحتاج الى عبادتنا ، ولا تضره أفعالنا ، فهم يرحم من لا يعبده ومن يعبده ، وإنما نعبد ما نعبد من الأصنام لتعيننا على مصالحنا ، وهى محتاجة ، ولذكرهم الرحمن علمنا أنه لم يصح ما قيل أنهم قالوا لا نعرف إلها ً غير أصنامنا ، وعلى صحته فالمعنى لا نعرف إلهاً يحتاج للعبادة ، والرحمن موجود لا يحتاج إليها ، ويبعد ما قيل : إن لفظ الرحمن من كلام الله لا من كلامهم ، وإن المعنى ما أنزل الذى تدعون وجوده شيئا ، وأنه ذكر لفظ الرحمن لحلمه وجلبهم إليه ، وصرحوا بمضمون قولهم : ﴿ ما أنتم ﴾ إلى ﴿ من شىء ﴾ فى قولهم : ﴿ إنْ أنتُم إلا تكْذِبُون ﴾ ولم يقل كاذبون للدلالة على تجدد الكذب واستمراره .