جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون)(10)

الجزء ٢ · صفحة ٢٤٤

ما وراءها من مخدرات العرفان، ونجوم الفرقان، وشموس الإيمان، بل يكتفون بما حكى الله عنهم في قوله: ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)(2)، حتى يجيء اليوم الذي يقولون فيه: ( ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا)(3).

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالة ظاهرة وتنبيه بين على خطورة هذا الصنف من المرض، وذلك في قولهصلى الله عليه وسلم: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"، فإن جميع منافع الجسد متوقفة على سلامة القلب من الأمراض، فإذا غشيته هذه الأدواء لم تلبث منافع البدن أن تتحول إلى مضار قاتلة، لأن الانحراف النفسي يأتي عليه فيحوله عن طبعه.

هذا وإذا كان جل المفسرين- من السلف والخلف- يرون أن هذا المرض معنوي، فإن طائفة خالفتهم في رأيهم هذا، حيث قالت: إنه كان مرضاً حقيقياً ألم بقلوب أولئك المنافقين مما يشاهدونه من انتشار الإسلام وسرعة أثره في النفوس، واكتساح تياره جميع العقائد الزائغة، والمبادئ الجاهلية الفاسدة، فكانت هذه المشاهدات تعتصر قلوبهم، وتضاعف همومهم، والحسد من شأنه أن يجر الأمراض إلى قلب صاحبه، لأن الحسود لا يقر له قرار، وقد كانوا يظنون بالإسلام أن طفرة سوف تهدأ، وأن تياره عاصفة سوف تتوقف، وأن سوقه مهددة بالكساد، غير أن هذا الظن قد خاب عندما شاهدوه يحرز الانتصارات المتتابعة، ويلحق بأعدائه الهزائم المتلاحقة، ويغرز أعلام النصر في كل مكان، فكان ذلك منشأ ما ألم بقلوبهم من الآلام.

وبعض المفسرين يرى أن جعل قلوبهم محل المرض من باب التعبير باسم المحل عن الحال، كما قال تعالى: ( واسأل القرية)،إذ المرض هو في معتقداتهم التي لابست عقولهم ومازجت قلوبهم، فإنهم كانوا ينطوون على الشرك وإن أبدوا خلافه.

وذكر الإمام ابن عاشور في تفسيره أن النفاق منشأ لثلاثة أنواع من أصول الأمراض النفسانية، وكل أصل منها تنشأ

٥٨٠ / ١٬٢٢٠