جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون)(10)

الجزء ٢ · صفحة ٢٤٦

الإشارة بقوله سبحانه: ( الله يستهزئ بهم)؛ أي يجعلهم موضع الهزء وإلى الثاني الإشارة بقوله: ( ولهم عذاب أليم).

ثالثها: الخوف؛ لأن الكذب والخداع إنما يصدران ممن يتوقى إظهار حقيقة أمره، وذلك لا يكون إلا لخوف ضر أو لخوف إخفاق سعي، وكلاهما مؤذن بقلة الشجاعة والثبات، والثقة بالنفس وبحسن السلوك، ويشير إلى هذه الخصلة قوله سبحانه فيهم: ( لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله)(4).

وتتفرع عن الخوف أخلاق متنوعة منها اللؤم، ويشير إليه قوله تعالى: ( ويقبضون أيديهم)، والعزلة عن الناس، وإليها الإشارة بخطابه تعالى لهم: ( يحسبون كل صيحة عليهم)، والجبن؛ ويدل عليه قوله سبحانه فيهم: ( وما يخدعون إلا أنفسهم)، وقوله: ( ليولن الأدبار ثم لا ينصرون)، والتستر، وإليه الإشارة بقوله عز وجل: ( وإذا خلو إلى شياطينهم…)(الآية).

ويتفرع عن اللؤم خون الامانة والشاهد عليه قوله تعالى فيهم: ( إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما)، ويتفرع عن العزلة جفاء الطبع، ويدل عليه قوله: ( أنؤمن كما آمن السفهاء).

وتتفرع عن الجبن المذلة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين).

وينشأ عن التستر دوام الضلال وازدياد النقائض، ويشير إلى الأول قوله تعالى: ( وما هم بمؤمنين)، وإلى الثاني قوله: ( فزادهم الله مرضا).

هذه أمراض النفاق التي استظهرها ابن عاشور مما نزل في المنافقين من الآيات، وما اعتيد تلبسهم به من الصفات، وقد رتبها في جدول حسب ترتب نشوئها في رأيه- تقريبا لفهم المطالع وتيسيرا لإحاطة القارئ- مع ما قرنه بها من الآيات المومية إليها، ولست أرتاب- كما لا يرتاب أحد- أن النفاق منطو على هذه الأمراض كلها، بل وعلى أكثر منها، فهو مجمع كل رذيلة، ومنشأ كل فساد، وإنما أرى أن ابن عاشور تكلف في ترتيب نشوئها، فلو سردها سردا لكان أبعد عن التكلف.

كما أنني أرى أنه تجوز في حمل بعض الآيات على الإشارة إلى ما ذكره من هذه

٥٨٢ / ١٬٢٢٠