النفاق سبب لزيادة المرض
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٠كما أن لهم أن يدفعوا الاعتراضين الأخيرين بقوله تعالى: ( ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)(1)، وقد علمت أن الدعاء في كلام الله محمول على الإيجاب فلا إشكال.
وفسر ابن مسعود وابن عباس وآخرون من الصحابة- رضوان الله عليهم- المرض الثاني بما فسروا به المرض الأول وهو الشك، وروي نحو ذلك عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة، وفسره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بالرجس، واستدل بقوله تعالى: ( وأما الذين في قلوبهم مرض فزادهم رجسا إلى رجسهم)(2)، وفسر الرجس بالشر والضلالة، واستحسن تفسيره ابن كثير وعده من باب ( الجزاء من جنس العمل)، ونظره بقوله تعالى: ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)(3).
وهذا كله لا ينافي ما سبق تفصيله من الأمراض الخلقية الناشئة عن النفاق، فإنها جميعا من جنس الشر والضلالة ولا تتولد إلا في نفس خيمت عليها ظلمات الشك، وقد حمل ابن جرير تفسير السلف بزيادة الشك على ما يستجد من شكوكهم كلما نزلت آية واستشهد له بقوله تعالى: ( فزادتهم رجسا إلى رجسهم).
وأما على اعتبار المرض حقيقيا فإن المراد بزيادته تضاعف همومهم، واكتظاظ صدورهم بالحسد الناشئ عن ظهور المؤمنين وارتفاع أعلام الدين وإقبال الناس عليه، وعلى هذا القول فإن إسناد الزيادة إلى الله حقيقي، لأنه هو الذي هيأ أسباب ظهور المؤمنين، ورفع مكانتهم بين العالمين، وأظهر دينهم على كل دين، فأمرض بذلك قلوب أعدائهم المنافقين.
وإنما قال سبحانه: ( فزادهم الله مرضا)،ولم يقل " فزاد قلوبهم مرضا" مع قوله من قبل ( في قلوبهم مرض)،الدال على أن القلوب هي وعاء هذا المرض، لأن مرض القلب مرض سائر الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله" أو لأن القلب من حيث إنه مصدر العواطف ومنبع الوجدان ومرتبط بالجنان كانت إنسانية الإنسان لا تتحقق إلا به، فلذلك أعيد الضمير إليهم بدلا من إعادته إلى قلوبهم.
وبعد أن أخبر سبحانه بسوء حالهم في الدنيا بين