جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

سبب إهمال الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين

الجزء ٢ · صفحة ٢٦١

المالكية، وبمثله يوحي كلام ابن عطية، وذكر أنه ممن نص على ذلك من أصحاب مالك محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، واستدل لذلك قوله تعالى: ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا)(1)، فإن ذلك منوط بإعلانهم النفاق كما قال قتادة.

وهذا ينافي ما روي عن مالك وبعض المالكية أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يشهد على المنافقين وهذا يتفق مع الجواب الأول.

وذكر القاضي إسماعيل أن عبدالله بن أبي لم يشهد عليه إلا زيد بن أرقم، وكذلك لم يشهد على الجلاس بن سويد إلا ربيبه عمير بن سعد، ولو شهد على أحدهما رجلان بكفره ونفاقه لقتل، وروى عن مالك: " النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة" وهو أحد قولي الشافعي.

واحتج الشافعي للقول الآخر بأن السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن الإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه، فإن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين لما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم لأن ما يظهرونه يجب ما قبله، وبهذا القول قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وآخرون.

ولا يُسلم للشافعي أن السنة فيمن شهد عليه بالنفاق فتبرأ مما نسب إليه أن يمسك عن قتله لأن المنافقين في عهده صلى الله عليه وسلم كانوا محتاطين لأنفسهم فلا يبوحون بما يقطع بكفرهم عند من تقوم عليهم بهم الحجة من المؤمنين، وإن استدل على طواياهم بفلتات ألسنتهم وقرائن أحوالهم، فليس في ذلك ما يعد بينة يصح بها القتل.

واستدل الطبري لما ذهبوا إليه بتكذيب الله تعالى ظواهر المنافقين في قوله: ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون)،وتعقبه ابن عطية بأن للمالكية

٥٩٧ / ١٬٢٢٠