جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

سبب إهمال الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقين

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٢

أن ينفصلوا عما ألزموا بهذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم وإنما توبيخها يشمل كل مغموص عليه بالنفاق، وبقي لكل واحد منهم أن يتخلص بدعوى أنه لم يرد بها وأنه مؤمن، ولو عين أحد لما جبّ كذبه شيئا، وتعقب القرطبي هذا التعقب بأن هذا الانفصال فيه نظر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو يعلم كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة- رضي الله عنه- يعلم ذلك بإخبار النبيصلى الله عليه وسلم له، حتى أن عمر- رضي الله عنه- كان يشفق أن يكون منهم، فيقول له: يا حذيفة؛ هل أنا منهم؟ فيقول له: لا.

هذا وقد سبق ما يدلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحيط علما بجميع المنافقين، وإنما يعرف بعضهم بإخبار الله عنهم أو بتشخيص الوحي لأحوالهم.

رابعها: أن ترك قتلهم للأمن من شرهم، فإن الله قد حفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من إفساد المنافقين دينهم، بخلاف الأجيال التي جاءت من بعدهم فلا يؤمن عليها من شر أهل النفاق ومكائدهم.

وفي هذا الجواب نظر لا يخفى على من أمعن في آي القرآن ودرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فكم حاول المنافقون أن يثبطوا المؤمنين عن الجهاد، ويشيعوا فيهم روح الهزيمة، كما هو واضح فيما نزل في غزوة أحد من سورة آل عمران، وما نزل في غزوة تبوك من سورة التوبة، وبهذا يتضح أن أولى الأجوبة بالصواب هو الجواب الأول، ولا يمنع ذلك أن تضم إليه حكمة مراعاة المصلحة بتأليف القلوب، وتجنب ما ينفرها كما ذكر في الجواب الثالث.

*******

-----------------------------

1) سورة الأحزاب الآيتان " 60، 61"

---

٥٩٨ / ١٬٢٢٠