مظاهر الاستخلاف
الجزء ٣ · صفحة ٢٤إلى ملتها وذلك هو الواقع والمراد من هذا الحكي عنهم ، ولم يكونوا مندمجين من قبل حال صدورهم هذا القول عنهم ثم استقل بعضهم عن بعض فأعطي كل فريق من الحكاية ما يلائمه .
وقولهم هذا ينطوي على تعريض بأنهم أجدر بالاستخلاف ، فإن الدائب على التسبيح بحمد الله والتقديس له أنزه وأطهر ممن يتلوث بالفساد وتصدر منه المعاصي وانتهاك الحرمات ، ومن المعلوم أن الحكمة من الاستخلاف عمارة الأرض وما ذكر من الافساد فيها وسفك الدماء أمر ظاهره منافٍ لهذه الحكمة واستظهر الفقهاء من هذا القول جواز ترشيح الإنسان نفسه لوظيفة يرى أنه أقدر على حمل أعبائها من غيره، واستدلوا لذلك أيضا بما حكاه الله عن يوسف الصديق عليه السلام من قوله لملك مصر : ( اجعَلنيِ عَلَى خَزَائِنِ الأرضِِ إني حَفِيظ عَليم ) (( 55 : يوسف )) .
وذكر الإمام ابن عاشور وجها آخر لقولهم : ( ونحنُ نُسَبحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدسُ لَكَ ) وهو أن يكونوا أرادوا به تفويض الأمر إلى الله واتهام علمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسد منه رأيا وأرجح عقلا فيشر ثم يفوض ، كما قال أهل مشورة بلقيس إذ قالت : ( أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون )
( النمل : 32 ) فأجابوها بقولهم : ( نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ) ( النمل : 33) ، أي الرأي أن نحاربه ونصده عما يريد من قوله : ( وأتُوني مُسلِمِين ) ثم ردوا الأمر إليها في قولهم : ( والأمرُ إليكِ فانظري مَاذَا تَأمُرينَ ) ( النمل : 33 ).
وكما يفعل التلميذ مع الأستاذ في بحثهَ معه ثم يصَرح بأن ذلك مبلغ علمه وأن القول الفصل للأستاذ أو أنهم أرادوا به إعلان التنزيه للخالق عن أن يخفى عليه ما بدا لهم من مانع استخلاف آدم . وبراءة نفوسهم من شائبة الاعتراض والله تعالى العليم ببراءتهم من ذلك غير أن كلامهم جرى على طريقة التعبير عما في الضمير من غير قصد إعلام الغير ، أو لأن في هذا التصريح تبركا وعبادة ،