مظاهر الاستخلاف
الجزء ٣ · صفحة ٢٥أو أرادوا به إعلان ذلك في الملأ الأعلى (1) .
والظاهر أن ابن عاشور أميل إلى هذا الوجه بدليل أنه صدر به قبل ما سلف ، وهو وجه وجيه وحمل قول الملائكة عليه أنسب بما عُرف من نزاهتهم وعصمتهم ولكن رد الله تعالى عليهم بقوله : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) الذي فصله من بعد قوله عز وجل : ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) – الآية 33 – البقرة يقتضي خلافه .
والتسبيح والتقديس مأخوذان – في رأي الزمخشري – من سبح في الأرض أو الماء ، وقدس في الأرض ، إذا ذهب فيهما وأبعد ، وعليه فالتضعيف للتعدية ، ويراد بهما تبعيد الله عن السوء أي تنزيهه عن كل الصفات غير اللائقة بجلاله وعلو شأنه سواء كان بالقول أو الاعتقاد أو العمل ، واختار ابن عاشور كون التسبيح مأخوذا من كلمة(( سبحان )) بدليل أنه لم يستعمل إلا مضعفا ، واختلف في مرادهم بالتسبيح هنا ، فقيل هو الصلاة وعليه ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما ، كما أخرجه عنهما ابن جرير وغيره ، وقد شاع استعمال التسبيح بمعنى الصلاة ومنه قول عائشة رضي الله عنها : (( ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى وإني لأسبحها )) ، وحُمل عليه قوله تعالى : ( فلولا أنه كان من المسبحين ) ( سورة الصافات : 143 ) وقيل هو التنزيه ، وعليه قتادة ، وقيل الخضوع والتذلل ، وبه قال ابن الأنباري ، وقال المفضل هو رفع الصوت بذكر الله تعالى ، وعن مجاهد أنه التعظيم ، وقيل هو تسبيح خاص ، وهو سبحان ذي الملك والملكوت ، سبحان ذي العظمة والجبروت ، سبحان الحي الذي لا يموت ، ويُعرف بتسبيح الملائكة .
وأنت إذا دريت أن معنى التسبيح هو التنزيه لم يشكل عليك هذا الخلاف ، فإنه خلاف لفظي ، وكلمة العبادة كلمة عامة ، تنتظم جميع ما قيل ، فأولى ما يُقال في تفسير التسبيح أنه عبادة الله سبحانه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه .
وتسبيحهم بحمده تعالى يعني تلبسهم في