مظاهر الاستخلاف
الجزء ٣ · صفحة ٢٧وأصله بمعنى التطهير ولذلك سمى السطل قدساً لأنه يتوضأ به ويتُطهر .
واحتيج لدفع التكرار الذي يوهمه اقتران التسبيح بالتقديس – مع ما علمته من التقارب بينهما – إلى التفرقة بين معنييهما ، فقيل : إن أحدهما باعتبار الاعتقادات ، والثاني : باعتبار الطاعات البدنية ، وقيل التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به ، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقا بنفسه فهو أبلغ ، ويشهد له أنه حيث جمع بينهما أخر نحو سبوح قُدوس (1) .
وفعل قدس يتعدى بنفسه وإنما اللام هنا لتأكيد وقوع النسبة كما في قولهم شكرت لك ونصحت لك ، وقيل : إن التقديس بمعنى التطهير ، ومرادهم به تطهيرهم لأنفسهم من معاصي الله لأجله تعالى ، فكأنهم قابلوا الإفساد في الأرض المتوقع صدوره من البشر ، والذي أفحشُهُ الإشراك بالله سبحانه بتسبيحه تعالى الذي هو من مقتضيات توحيده ، وقابلوا سفك الدماء الذي هو من أشنع المعاصي العلمية بتقديس أنفسهم – أي تطهيرها من أكدار المعاصي – من أجله تعالى ، فاللام على هذا أصلية مفيدة للتبيين ولا تخلو من التعليل ، وعليه فلا إيهام للتكرار ، ومجيء هذه الجملة إسمية لأجل إفادة الدوام والثبوت فهم – عليهم السلام – من شأنهم الاستمرار على هذه الحالة التي وصفوا بها أنفسهم بحيث لا ينفكون عنها .
واختلف في المراد بقوله : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) ، فقيل : أراد به تعالى ما يعلمه من وجوه المصلحة في استخلاف هذا الجنس من خلقه في الأرض ، وقيل : أراد علمه بذنبهم واستغفارهم ، وقيل : أراد به أنه عليم بمن يطيعه وهم الأنبياء والأولياء والصالحون ، وبمن يعصيه وهو إبليس وحزبه ، وقيل : أراد به الرد على قولهم : (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) فقد كان من بينهم إبليس وهو منطو على ما ظهر من بعد من الكفر والشقاق وهم لا يعلمون ذلك ، والله به عليم ، وجوز القطب – رحمه الله – أن يكون المراد به أنه تعالى عليم بما لا يعلمونه من غلبة القوة