جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

معنى السجود لآدم

الجزء ٣ · صفحة ٥٦

أن ذكرت أن الألوسي نقل عن الصوفية أن المأمورين بالسجود من عدا العالين من الملأئكة وأن العالين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات ، وحملوا على ذلك قوله تعالى :( أستكبرت أم كنت من العالين ) (ص : 75)، ولا يجوز التعويل على هذا الرأي إذ هو من شطحاتهم المألوفة ، وسيأتي إن شاء الله بيان المراد من العالين عندما نصل إلى تفسير الآية من سورة (ص ) بعون الله وتوفيقه .

وروى ابن جرير عن عباس رضي الله عنهما أن الله خلق خلقا فقال اسجدوالآدم ، فقالوا : لانفعل ، فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ثم خلق خلقا آخرفقال : إني خالق بشرا من طين – اسجدوا لآدم ، فقالوا :لانفعل فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق هؤلاء فقال :( اسجدوا لآدم ) (الآية 71ص) ، قالوا نعم وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوالآدم ، وهذه رواية باطلةإذ في اسنادها مبهم ، وهي مصادمة لنصوص القرآن الدالة على عصمة الملائكة عن مخالفة أوامر الله ، ومن ناحية آخرى فإنها تقتضي أن خلق آدم سابق على خلق الملائكة ، والآيات دالة على أنهم أذنبوا بخلقه قبل أن يخلق ، وهو يقتضي أن يكون وجودهم سابق على وجوده ، ومن التناقض البين في هذه الرواية زعم راويها أن إبليس كان مندرجا في تلك المجموعة التي رفضت السجود فأحرقت بالنار، ويلزم في هذا أن يكون إبليس ممن أتت عليه النار، وبالجملة فلولا خشية أن تكون هذه الرواية سببا للبس الحق بالباطل لكان الأولى عدم ذكرها رأسا.

وسجودهم لآدم لم يكن عبادة له فإن العبادة لاتكون إلا لله رب العالمين، ولم تشرع عبادة غير الله عند أية طائفة من الخلق ولافي أية رسالةجاءت من عند الله ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء:25)، وإنما هو سجود إجلال وتكريم أذن به الله تعالى لإعلاء شأن الجنس البشري في الملأ الأعلى، وامتثال الملائكة لأمر الله به

٨٣٥ / ١٬٢٢٠