الملائكة والشياطين من عالم الغيب
الجزء ٣ · صفحة ٧٦) ( التحريم : 6 ) وصيغة أوصافهم في هذه الآية دالة أيضا على أنهم من العقلاء كما سبق ، ويقول في جبريل عليه السلام : ( علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى ) ( النجم : 5 – 13 ) ، فبالله عليكم هل تنطبق هذه الأوصاف على القوى الطبعية ؟ ويقول فيه أيضا : ( رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) ( التكوير : 20 – 21 ) .
ومثل ذلك ثبت في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم المتواترة معنى ، فقد أخرج الإمام الربيع والشيخان عن مسروق أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى : ( ولقد رآه بالأفق المبين ) ، وقوله : ( ولقد رآه نزلة أخرى ) ، فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (( إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطا من السماء ساداً عظيم خلقه ما بين السماء والأرض )) ، وثبت عند الشيخين أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حضور بين يديه في صورة رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة وأخذ يسأله عن أركان الإيمان ، وروى الربيع والشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يأتيك الوحي يا رسول الله ؟ قال : (( أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيُفصم عني وقد وعيت ما قال : وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول )) .
ففي هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة وأمثالها ما يكفي العاقل حجة على استقلال ذوات الملائكة وعدم كونهم قوى متلبسة بسائر الذوات ، وهي صريحة في تشكلهم متى أرادوا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدل قوله : (( لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين .. إلى آخره )) على أنه صلوات