جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الملائكة والشياطين من عالم الغيب

الجزء ٣ · صفحة ٧٧

الله وسلامه عليه كان يرى جبريل عليه السلام في سائر المرار في صورة أخرى يتمثل بها لتقوى نفس النبي صلى الله عليه وسلم على إبصارها ، وهو الذي صرح به حديثا الإيمان والوحي ، بل صرح القرآن بتمثل جبريل في صورة إنسان في قوله تعالى حاكيا قصة مريم : ( إذ أرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ) ( مريم : 17 ) .

أما كونهم أجساما نورانية فيمكن أن يُستدل له بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند مسلم أن الملائكة مخلوقون من نور ، ومثل ذلك مثل خلق إبليس والجان من نار المنصوص عليه في قوله تعالى حاكيا عن إبليس : ( خلقتني من نار وخلقته من طين) ( ص : 76 ) ، وقوله : ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم ) ( الحجر : 27 ) ، وقوله : ( وخلق الجان من مارج من نار ) ( الرحمن : 15 ) ، والنور والنار مشتركان في عالمنا الأرضي المحسوس في كونهما لا يقوم أحدهما بنفسه ، وإنما يتوقف وجودهما على وجود جرم آخر كثيف يتلبسان به ، غير أن الله عز وجل الذي جعلهما في هذا العالم بهذه الصفة قادر على جعلهما في ما وراء العالم المحسوس بصفة أخرى ، وعلينا أن نؤمن بما أخبر به أو أخبر به رسوله الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام .

ولا يلزم من تفسير جمهور الأمة للملائكة أن نعرف أين مساكن ملائكة الأرض وتحديد أمكنتها ، وبيان موقع من يكون منهم عن اليمين ، ومن يكون عن اليسار ، ورؤية أجسامهم النورانية تضيء في الظلام كما قال الإمام محمد عبده ، فإننا مع تسليمنا بما جاء به الوحي نعترف بالعجز عما طوى الله علمه عنا ، ونعلم أن طبيعة اتصال الملائكة بنا تختلف عن طبيعة اتصال بعضنا ببعض ، وإذا كان الله عز وجل ميز طبائع بعض الموجودات في عالمنا عن بعض أفلا يكون ما أوجده وراء هذا العالم أجدر بأن تتميز طبيعته ، وأن تختلف أحواله ، فنحن هنا على ظهر الكرة الأرضية نسبح في خضم من الهواء يحيط بنا من أعلانا ، وأمامنا ، وخلفنا ، وعن أيماننا ، وعن شمائلنا ،

٨٥٤ / ١٬٢٢٠