قبول التوبة من آدم
الجزء ٣ · صفحة ١١٧في المعصية ومضرة العصيان، والحال وجدانه في نفسه الألم الناشىء عن تحسره على ما وقع فيه ، والفعل هجرانه ما كان عليه من المعصية إلى الطاعة ، وأضاف بعضهم إلى ذلك إشفاقه ، لأنه لا يدري هل وفى بشرائط توبته أو لا ؟ كما أنه لا يدري عن مستقبله هل سيوفق فيه للطاعة أو يصاب بسهم الخذلان فيتردى في مهاوي العصيان كما سبق عليه ذلك ؟
وقوله : ( إنه هو التواب الرحيم ) تذييل منطو على التعليل فإن قوله : إنه هو التواب ) تعليل لقوله : ( فتاب عليه ) ، والتواب على وزن فعال بمعنى كثير التوبة ، فهو مشعر بأن الله يتوب على عبده كلما تاب العبد إليه من أعماق قلبه ، وبإخلاص سريرته وإن تكررت المعصية منه ، ومن ناحية أخرى فإن التائبين بعد المعصية كثرة كاثرة ، والله يتوب عليهم جميعا ، فناسب ذلك لفظ (( التواب )) الدال على كثرة صدور التوبة منه تعالى ، وفي (( الرحيم )) تعليل لمدلول التواب ، فإن سبب كثرة توبة الله على عباده رحمته بهم ، وفي هذا تنبيه على أن توبته تعالى على العاصين من خلقه هي محض فضل وإحسان منه سبحانه ، وليست واجبة عليه كما يقول أهل الاعتزال .
هذا وقد شذ الإمام محمد عبده في تفسيره لهاتين الآيتين فقد صبغه بلون من تلك الأفكار التي تولدت في
ذهنه نتيجة العراك بين نزعتي التجديد والتقليد ، وقد بدأ أولا بتقرير المراد مما تقدم في هذه القصة على هذا المذهب الذي اختاره فقال : (( إن إخبار الملائكة يجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العلم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض ، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره ، ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما ، وهو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك ، وتمهيد لبيانه أنه لا ينافي خلافته في الأرض ، وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء