قبول التوبة من آدم
الجزء ٣ · صفحة ١١٩النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها
سبحانه : ( وقد خلقكم أطوارا ) ( نوح : 114 ) ، فأولها طور الطفولية ، وهي لا هم فيها ولا كدر ، وإنما هي
لعب ولهو ، كأن الطفل دائما في جنة ملتفة الأشجار يانعة الثمار ، جارية الأنهار ، متناغية الأطيار ، وهذا معنى : ( اسكن أنت وزوجك الجنة ) ، وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية ، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين ، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورا وإناثا هكذا ، وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير ، والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر ، وأن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه ، وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني – وهو طور التمييز – هما المراد بقوله تعالى : ( وهديناه النجدين ) ( البلد : 10 ) ، ووسوسة الشيطان وإذلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك ا لروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوي فيها داعية الشر ، أي إن إلهام التقوى والخير أقوى في فطرة الإنسان أو هو الأصل ، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ، ووسوسته إليه ، والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري .
وإما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عُرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب
الأفعال السيئة ، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق ، والتجائه إليه في الشدة ، وتوبة الله عليه عبارة عن هدايته إياه إلى المخرج من الضيق ، والتفلت من شرك البلاء بعد ذلك الاعتبار والالتجاء )) (1) .
ثم قال : (( فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة ، طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة ، وطور
التمييز الناقص ، وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة ا لشيطان ، وطور الرشد والاستواء ،