قبول التوبة من آدم
الجزء ٣ · صفحة ١٢٠وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث ، ويلتجىء فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله ، فهكذا كان الإنسان في أفراده مثلا للإنسان في مجموعه – قال – كأن تدرج الإنسان في حياته الاجتماعية ابتدأ ساذجا سليم الفطرة قويم الوجهة ، مقتصرا في طلب حاجاته على القصد والعدل ، متعاونا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون ، وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي .
ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة ، وميلا مع خيال
اللذة ، وتنبه من ذلك ما كان نائما في نفوس سائرهم فثار النزاع وعظم الخلاف واستنزل الشقاء ، وهذا هو الطور الثاني ، وهو معروف في تأريخ الأمم ، ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر ووزن الخير والشر
بميزان النظر والفكر وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات ويقف عندها سير الرغبات ، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله )) (1) .
هذا ما قاله هنا وهو لا يختلف عما قاله سابقا في الملائكة وإبليس ، والدافع إلى كل ذلك واحد ، وقد سبق
بيانه ، وإذا تأملت هذا الشرح الذي جاء به وعرضته على نصوص الكتاب في القصة وجدته بعيدا عن مدلولها ؛ على أنه قد ناقض نفسه في بعض ما جاء به ، كقوله : (( إن الإنسان – لولا داعية الشر المعبر عنها بإبليس
وامتناعه عن السجود – لأتى عليه زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم ، فإنه لا يتفق مع تفسيره للملائكة بما تقدم من كونهم قوى طبعية منبثة في كل شيء من هذا الكون ، وإلا فما معنى تحول الإنسان إليها مع أنه نفسه منطو عليها ؟ وهل يُعد ذلك انتقالا إلى الأعلى أو إلى الأدنى ؟
وبالجملة فإن كلامه – لعدم انبنائه على أسس ثابتة من مفاهيم الدين – كفيل بهدم بعضه بعضا ، وهكذا
كل ما كان ناشئا عن فكر الإنسان غير المستقر ، ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) (