جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

قبول التوبة من آدم

الجزء ٣ · صفحة ١٢١

النساء : 82 ) ، وإني لأعجب كيف يمكن القول بأن المراد بآدم الجنس البشري مع تحذير الله لهذا الجنس من فتنة الشيطان – كما صنع مع آدم وزوجه – في قوله تعالى : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما ) ( الأعراف : 27 ) ، ولعمري لئن ساغ مثل هذا التأويل لم تبق للألفاظ العربية مدلولات خاصة تستقر عليها الأفهام ، وهذا يعني فتح باب الشك والاحتمال الواسع في كل ما جاء به القرآن من وعد ووعيد وأمر ونهي ، وقصص وأخبار ، هذا من ناحية اللفظ .

أما من ناحية المعنى فإنه يتعذر أن يكون المراد بآدم النوع الإنساني ، وأن يكون أمره بسكنى الجنة عبارة عن مرحلة الطفولة البريئة التي يمر بها كل إنسان وهو خالي البال مطمئن النفس بعيد عما يعانيه الكبار

من مشاق وأتعاب ، ذلك لأن الناس مختلفون غير متفقي الحال في أي طور من أطوار الحياة ، فتجد أحدهم وهو في صغره يتفيأ ظلال الراحة ، ويتقلب على بساط النعيم حتى إذا ما بلغ طور الرشد لفحته الدنيا ببؤسها وكشرت له الأيام عن عضل أنيابها ، وفرته الحوادث بأظفارها ، بينما تجد غيره لا يذوق في طفولته الراحة وإن اشترك مع غيره من الأطفال في براءتهم الفطرية ، فلا يكاد يفتح عينه على الدنيا إلا ويرى أيامها عابسة أمام ناظريه فيقضي مرحلة طفولته كلها في بؤس وفقر وعرى ومسغبة وذل وخوف ، وكرب وبلاء حتى إذا ما ناهز الإحتلام وبلوغ سن الرشد تنفس الفرج فانزاحت الشدائد فتذوق لذة العيش ، ولامس برد النعيم ، وماذا عسى أن تكون حالة الأطفال الذين ينشأون في أ زمنة الحروب الطاحنة التي تهلك الحرث والنسل ، وتستلب الطارف والتليد، فلا يسمعون إلا أصوات الانفجار وقصف المدافع وهدير الطائرات ، ولا يشاهدون إلا جثث القتلى المنتزعة أشلاؤها ، وحطام المساكن المقفرة من أهلها ، ولا يعرفون ما هو الأمن والاستقرار في الحياة ، ولا يقتاتون إلا بعد جهد ونصب ، أفيقال

٨٩٨ / ١٬٢٢٠