التناسب بين آيات القرآن وسوره
الجزء ٣ · صفحة ١٤٢حسبما يكون منهم في دار العمل ، فكان جديرا بعد ذلك خطاب بني إسرائيل – وهو طائفة من الناس الذين خوطبوا أولا – لما عندهم من علم الكتاب الذي يميزهم عن سائر الناس ويمكنهم من التفرقة بين الحق والباطل ، والتمييز بين الهدى والضلال ، فهم بموجب ذلك أحرى بأن يسبقوا إلى الإيمان وأن يذعنوا للحق ، ولأن الله نشر فيهم من الهدى وبسط عليهم من النعمة ما لم يكن في غيرهم ، فقد تتابعت فيهم الرسالات وتعاقبت بينهم النبوات ، وكل ذلك يحفز أولي الكفر الثاقب والبصائر النيرة إلى الإيمان والطاعة .
وذهب صاحب المنار إلى أن هذا الكلام لا يزال في الكتاب ، وكونه لا ريب فيه ، وبيان أحوال الناس
وأصنافهم في أمره ، وبنى ذلك على أن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع
بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ ، وخلاصة القول أنه تعالى ذكر الكتاب ووصفه أنه لا ريب فيه ، ثم ذكر اختلاف الناس فيه ، فابتدأ بالمستعدين للإيمان ، المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه ، وثنى بالمؤمنين ، وثلث بالكافرين ، وقفى عليهم بالمنافقين ، ثم ضرب الأمثال لهذا الصنف الأخير ، ثم طالب الناس كلهم بعبادته ، ثم أقام البرهان على كون الكتاب منزلا من عند الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، وتحدى المرتابين بما أعجزهم ، ثم حذر وأنذر ، وبشر ووعد ، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول (1) ، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب ، ثم حاج الكافرين ، وجاءهم بأنصع البراهين وهو إحياؤهم مرتين ، وإماتتهم مرتين وخلق السماوات والأرض بمنافعهن ، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره ، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلا ، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمزايا التي كانوا مختصين بها ، والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتظامه في سلكه وحسن اتساقه في سبكه ، فهو دائر