فصل في الكبر والرياء وبغض الكفر وأهله
الجزء ٣٢ · صفحة ٦٦وَاعْلَمْ أَنَّ مَا بِهِ الرِّيَاءُ سِتٌّ أَوْ خَمْسٌ إنْ عَدَدْنَا الْقَوْلَ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ وَاحِدًا الْأَوَّلُ : الْبَدَنُ بِإِظْهَارِ النُّحُولِ وَالِاصْفِرَارِ وَذُبُولِ الشَّفَتَيْنِ وَحِفْظِ الصَّوْتِ لِيَدُلَّ عَلَى قِلَّةِ الْأَكْلِ وَعَلَى شِدَّةِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَغَلَبَةِ خَوْفِ الْآخِرَةِ وَسَهَرِ اللَّيْلِ وَكَثْرَةِ الْحُزْنِ فِي الدِّينِ وَالصَّوْمِ ، وَبِإِظْهَارِ أَمْرِ الشَّرْعِ كَحَلْقِ الشَّارِبِ وَإِطْرَاقِ الرَّأْسِ وَالْهُدُوءِ فِي الْحَرَكَةِ ، وَرِيَاءُ أَهْلِ الدُّنْيَا بِإِظْهَارِ السِّمَنِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ وَاعْتِدَالِ الْقَامَةِ وَحُسْنِ الْوَجْهِ وَنَظَافَةِ الْبَدَنِ وَنَحْوِهَا الثَّانِي : الزِّيُّ كَلُبْسِ الصُّوفِ وَتَشْمِيرِهِ إلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ السَّاقِ وَغَلِيظِ الثِّيَابِ وَالْمُرَقَّعِ وَالطَّيْلَسَانِ لِيُظْهِرَ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلسُّنَّةِ وَلِيَصْرِفَ إلَيْهِ الْأَعْيُنَ بِسَبَبِ تَمَيُّزِهِ ، وَلُبْسُ الثِّيَابِ الْمُخَرَّقَةِ وَالْوَسِخَةِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْهَمِّ بِالدِّينِ ، وَعَدَمِ التَّفَرُّغِ لِلْخِيَاطَةِ وَالْغُسْلِ ، أَوْ عَلَى التَّوَاضُعِ وَكَسْرِ النَّفْسِ وَالْفَقْرِ وَالزُّهْدِ ، وَلَوْ كُلِّفَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا وَسَطًا نَظِيفًا لَكَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ لِخَوْفِهِ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : رَغِبَ فِي الدُّنْيَا وَرَجَعَ عَنْ الزُّهْدِ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يُرِيدُ الْقَوْلَ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ الْمُلُوكِ وَالْأَغْنِيَاءِ .
وَعِنْدَ أَهْلِ الصَّلَاحِ ، فَلَوْ لَبِسَ الْخَلِقَةَ وَالْوَسِخَةَ ازْدَرَاهُ أَهْلُ الدُّنْيَا ، وَلَوْ لَبِسَ الْفَاخِرَةَ ازْدَرَاهُ أَهْلُ الدِّينِ ، وَلَا يُعْلَمُ زُهْدُهُ وَصَلَاحُهُ فَيَطْلُبُونَ الْأَصْوَافَ الرَّقِيقَةَ وَالْأَكْسِيَةَ الرَّفِيعَةَ مِمَّا قِيمَتُهَا قِيمَةُ ثِيَابِ الْأَغْنِيَاءِ وَهَيْئَتُهَا هَيْئَةُ ثِيَابِ الصُّلَحَاءِ فَيَلْتَمِسُونَ الْقَبُولَ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ وَلَوْ كُلِّفُوا لُبْسَ خَشِينٍ أَوْ وَسِخٍ لَكَانَ كَالذَّبْحِ خَوْفًا مِنْ السُّقُوطِ مِنْ أَعْيُنِ الْمُلُوكِ وَالْأَغْنِيَاءِ وَلَوْ كُلِّفُوا لُبْسَ مَا يَلْبَسُهُ الْأَغْنِيَاءُ لَعَظُمَ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ أَنْ