باب في الحمية والعصبية والمكر والخديعة والسفه والبغي والظلم
الجزء ٣٢ · صفحة ٤٥٤فَيْرُوزُ مُفَكِّرًا فِي أَمْرِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُثْنِهِ ذَلِكَ عَنْ هَوَاهُ وَمَضَى فِيهِ وَوَكَّلَ الخشواد الْأَمْرَ لِلْأَوَّلِ الْآخَرِ وَسَأَلَهُ عِقَابَ خَلْفِ الْعَهْدِ وَأَخَذَ مَعَ ذَلِكَ بِحَظِّهِ مِنْ الْحَزْمِ وَأَمْهَلَهُ حَتَّى تَوَسَّطَ مَمْلَكَتَهُ وَأَفْسَدَ فَفَاجَأَهُ الخشواد وَصَدَقَ الْجَلَّادُ فَانْكَشَفَ فَيْرُوزُ مُنْهَزِمًا وَأَسْلَمَ مَا مَعَهُ وَاحْتَوَى عَلَيْهِ الخشواد كُلِّهِ وَأَمْعَنَ فِي طَلَبِهِ حَتَّى ظَفَرَ بِهِ فَقَتَلَهُ وَأَسَرَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَحُمَاتَهُ وَكَانَتْ الْعَاقِبَةُ لَهُ .
وَلَمَّا سَمِعَ الْمَأْمُونُ ذَلِكَ أَقْبَلَ إلَيْهِ مُسْتَبْشِرًا وَقَالَ لَقَدْ سَمِعْنَا مَقَالَكَ وَقَبِلْنَاهُ وَسَرَّنَا وَشَكَرْنَاكَ عَلَيْهِ فَمَا تَرَى فِيمَا دَعَوْنَاكَ إلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَجْزَلَ مِنْ الْعِلْمِ حَظَّكَ وَفَتَقَ بِالْمَعْرِفَةِ فِكْرَكَ وَأَنْطَقَ بِالْحِكْمَةِ لِسَانَكَ وَقَطَعَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّتَكَ وَعُذْرَكَ ؟ فَقَالَ الشَّيْخُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَسُرَّ الْمَأْمُونُ بِإِسْلَامِهِ وَأَجْزَلَ صِلَتَهُ وَقَرَّبَ مَنْزِلَتَهُ وَأَلْحَقَهُ بِخَاصَّةِ أَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُ بِمُلَازَمَةِ بَابِهِ فَمَا لَبِثَ الشَّيْخُ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى لَحِقَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَعَمِلَ الْمَأْمُونُ بِرَأْيِهِ فَنَجَحَ عَمَلُهُ وَرَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ الْخِلَافَةِ مَا أَمَّلَهُ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ يَقُولُ اللَّهُ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَى مَنْ ظَلَمَ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَاصِرًا غَيْرِي ﴾ وَقِيلَ لِابْنِ السَّمَّاكِ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ : كَيْفَ تَرَكْتَ النَّاسَ ؟ قَالَ : بَيْنَ مَظْلُومٍ لَا يَنْتَصِفُ وَظَالِمٍ لَا يَنْتَهِي وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْعَزِيزِ يَذْكُرُ الظَّلَمَةَ الْوَلِيدَ بِالشَّامِ وَالْحَجَّاجَ بِالْعِرَاقِ وَابْنَ شَرِيكٍ بِمِصْرَ ؛ وَعُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ بِالْحِجَازِ ؛ وَمُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ بِالْيَمَنِ وَيَقُولُ : امْتَلَأَتْ وَاَللَّهِ الْأَرْضُ جَوْرًا وَمَنْ أَقَرَّ بِظُلْمٍ أَوْ تَعَدٍّ أَوْ بَغْيٍ فِيمَا يُمْكِنُ أَنَّهُ فِعْلُهُ بُرِئَ مِنْهُ وَحُكِمَ