شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الزهد والرغبة في الإسلام

الجزء ٣٣ · صفحة ٢٣

اللَّهِ تَعَالَى سَمْعَ عَبْدِهِ وَبَصَرَهُ إلَخْ ؛ حِفْظَهُ جَوَارِحَ عَبْدِهِ عَنْ أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْمَعْصِيَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِسَمْعِهِ مَسْمُوعَهُ أَيْ لَا يَسْمَعُ إلَّا ذِكْرِي أَيْ لَا يَسْتَعْمِلُ سَمْعَهُ إلَّا فِي ذِكْرِي إلَّا ضَرُورَةً ، أَوْ لَا يَسْمَعُ سَمْعَ قَبُولٍ إلَّا ذِكْرِي ، وَمَا كَانَ لِي فَهُوَ مِنْ ذِكْرِي ، وَلَا يَتَلَذَّذُ إلَّا بِتِلَاوَةِ كِتَابِي ، وَلَا يَنْظُرُ إلَّا فِي عَجَائِبِ مَلَكُوتِي الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِي وَصِفَاتِي ، وَلَا يَبْطِشُ وَلَا يَمْشِي إلَّا لِمَا فِيهِ رِضَائِي .

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ الْمُتَقَرِّبِ إلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ ، وَتَأْيِيدٌ وَإِعَانَةٌ وَتَوَلِّيهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ تَعَالَى نَزَّلَ نَفْسَهُ مِنْ عَبْدِهِ مَنْزِلَةَ الْآلَاتِ وَالْجَوَارِحِ الَّتِي بِهَا يُدْرِكُ وَيَسْتَعِينُ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ : ﴿ بِي يَسْمَعُ وَبِي يُبْصِرُ وَبِي يَبْطِشُ وَبِي يَمْشِي ﴾ أَيْ : أَنَا أَقْدَرْتُهُ عَلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَخَلَقْتُهَا فِيهِ ، فَمَنْ اجْتَهَدَ بِالْفَرْضِ وَالنَّفَلِ تَرَقَّى مِنْ دَرَجَةِ الْإِيمَانِ إلَى دَرَجَةِ الْإِحْسَانِ فَيَمْتَلِئُ قَلْبُهُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَحُبِّهِ وَعَظَمَتِهِ وَيَتَزَايَدُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ غَيْرُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ فَلَا تَنْبَعِثُ جَوَارِحُهُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ قَلْبِهِ ، وَفِي الْخَبَرِ : ﴿ مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلَا أَرْضِي وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ ﴾ وَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَالَ : ﴿ أَحِبُّوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ ﴾ وَعَنْ عَلِيٍّ : أَنَّ الشَّيْطَانَ يَهَابُ عُمَرَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْخَطِيئَةِ ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ مَنْ أَصْبَحَ وَهَمَّهُ غَيْرَ اللَّهِ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ ﴾ أَيْ مِنْ أَهْلِ قُرْبِهِ وَحُبِّهِ .

وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ يَمْشِي بِهَا : ﴿ وَفُؤَادُهُ الَّذِي يَعْقِلُ بِهِ وَلِسَانُهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ : { وَمَنْ أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ لَهُ سَمْعًا

١٦٬٠٢٣ / ١٧٬٤٣٨