شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في بغض المعروف وأهله والأشر والبطر والغيبة والنميمة

الجزء ٣٣ · صفحة ٤٩

فَدَخَلَتْ فِي جَوْفِهِ فَإِذَا رَجُلٌ قَالَ لَهُ : أَيْنَ الْحَيَّةُ ؟ فَقَالَ : لَمْ أَرَ شَيْئًا فَاسْتَغْفَرَ مِائَةَ مَرَّةٍ لِكِذْبِهِ وَمَعَ الرَّجُلِ صَمْصَامَةٌ يُرِيدُ قَتْلَهَا بِهَا ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَقَالَتْ الْحَيَّةُ : يَا حِمْيَرُ هَلْ تُحِسُّ الرَّجُلَ ؟ .

قَالَ لَهَا : قَدْ ذَهَبَ ، فَقَالَتْ لَهُ : اخْتَرْ مِنِّي إحْدَى خَصْلَتَيْنِ إمَّا أَنْ أَقْتُلُكَ مَرَّةً بِثَقْبِ فُؤَادِكَ أَوْ أُفَتِّتُ كَبِدَكَ فَتُلْقِيهِ مِنْ أَسْفَلِكَ قِطَعًا ، فَقَالَ حِمْيَرُ : وَاَللَّهِ مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي مِنْكِ فَقَالَتْ : صَدَقْتَ ، وَلَكِنْ مَا رَأَيْتُ أَحْمَقَ مِنْكَ ، وَضَعْتَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ مَنْ عَرَفْتَ عَدَاوَةَ أَبِيكَ لَهُ قَدِيمًا وَلَمْ تَعْلَمْ لِي مَالًا فَأُعْطِيكَهُ ، فَقَالَ لَهَا حِمْيَرُ : حَتَّى أَحْفِرُ قَبْرِي عِنْدَ هَذَا الْجَبَلِ ، فَقَالَتْ : شَأْنُكَ وَمَا تُرِيدُ ، فَرَفَعَ طَرْفَهُ إلَى السَّمَاءِ وَقَالَ : يَا لَطِيفُ اُلْطُفْ بِي بِلُطْفِكَ الْخَفِيِّ ، يَا لَطِيفُ يَا قَدِيرُ أَسْأَلُكَ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي اسْتَوَيْتَ بِهَا عَلَى الْعَرْشِ ، يَا حَكِيمُ يَا عَلِيمُ يَا عَلِيُّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا اللَّهُ أَلَا مَا كَفَيْتَنِي هَذِهِ الْحَيَّةَ ، ثُمَّ مَشَى إلَى جِهَةِ الْجَبَلِ إذَا بِفَتَى حَسَنِ الْوَجْهِ طَيِّبِ الرِّيحِ حَسَنِ الثِّيَابِ ، وَسَأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ فَأَخْبَرَهُ فَدَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا أَخْرَجَهُ مِنْ كُمِّهِ فَقَالَ لَهُ : كُلْ هَذَا ، فَأَكَلَهُ فَأَصَابَهُ مَغَصٌ شَدِيدٌ ، ثُمَّ نَاوَلَهُ آخَرَ فَأَكَلَهُ فَرَمَى الْحَيَّةَ مِنْ أَسْفَلِهِ قِطَعًا ، فَقَالَ لَهُ حِمْيَرُ : مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَمَا أَجِدُ أَعْظَمَ مِنْكَ مِنَّةً عَلَيَّ ؟ فَقَالَ : أَنَا الْمَعْرُوفُ ، وَإِنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ لَمَّا رَأَوْا هَذِهِ الْحَيَّةَ وَصُنْعَهَا بِكَ اضْطَرَبُوا كُلُّهُمْ يَسْأَلُونَ رَبَّكَ أَنْ يُغِيثَكَ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَا مَعْرُوفُ أَدْرِكْ عَبْدِي .

وَفِي رِوَايَةٍ بِوَرَقَةٍ مِنْ شَجَرَةٍ : طُوبَى فَإِيَّايَ أَرَادَ بِمَا صَنَعَ ، وَفِي رِوَايَةٍ : أَعْطَاهُ وَرَقَةً خَضْرَاءَ وَقَالَ : كُلْهَا ، فَأَكَلَهَا فَخَرَجَتْ الْحَيَّةُ مِنْ تَحْتِهِ قِطَعًا .

١٦٬٠٤٩ / ١٧٬٤٣٨