شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في وجوب الخوف والرجاء

الجزء ٣٣ · صفحة ٣٥٤

وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : ﴿ إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ .

فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ : طَرِيقُ الْأَمْنِ وَالْجُرْأَةِ ، وَطَرِيقُ الْإِيَاسِ وَالْقُنُوطِ ، وَطَرِيقُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مُمْتَدٌّ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ مِلْتَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا بِقَدَمٍ وَقَعْتَ فِي الْهَلَاكِ وَهَلَكْتَ مَعَ الْهَالِكِينَ ، فَلَا تَنْظُرْ إلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ فَقَطْ فَتَأْمَنْ ، وَلَا إلَى عِظَمِ الْهَيْبَةِ وَالْمُنَاقَشَةِ فَتَقْنَطْ ، بَلْ خُذْ مِنْهُمَا مَعًا فَتَرْكَبْ طَرِيقَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ الْآيَةَ وَلَا يَتَأَتَّى سُلُوكُ هَذِهِ الطَّرِيقِ بِاجْتِنَابِ الْمَحْبُوبِ عِنْدَ النَّفْسِ وَاكْتِسَابِ الطَّاعَةِ الثَّقِيلَةِ إلَّا بِالتَّحَفُّظِ بِثَلَاثَةِ أُصُولٍ : الْأَوَّلُ : ذِكْرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ ، وَالثَّانِي : ذِكْرُ أَفْعَالِهِ فِي الْعَفْوِ وَالْأَخْذِ ، وَالثَّالِثُ : ذِكْرُ جَزَائِهِ فِي الْمَعَادِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ .

فَالتَّرْهِيبُ وَالتَّرْغِيبُ كَقَوْلِهِ : ﴿ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ الْآيَةَ ، ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ ، ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ - ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ - ﴿ وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ﴾ الْآيَةَ ، وقَوْله تَعَالَى : ﴿ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ الْآيَةَ ، ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ ﴾ ﴿ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ﴾ - ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ ﴾ - ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ - الْآيَةَ - ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ - ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ تَخْوِيفًا فِي تَأْمِينٍ وَتَحْرِيكًا فِي تَسْكِينٍ ، فَتَكُونُ الطَّرِيقُ عَدْلًا

١٦٬٣٥٤ / ١٧٬٤٣٨