شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

النهي عن بيع نهي الغرر

الجزء ١٤ · صفحة ١٩٠

بَابٌ فِي أَنْوَاعٍ مِنْ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَبَابِ الذَّرَائِعِ مِنْهَا أَيْضًا وَالنَّهْيُ عَنْهَا تَعَبُّدٌ ( وَرَدَ نَهْيُ الْغَرَرِ ) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ أَلَا مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا ﴾ ، قِيلَ : لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينِنَا ، وَيَرُدُّهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِالْغِشِّ عَنْ الدِّينِ إلَى الشِّرْكِ ، وَقِيلَ : لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا ، وَيُرَدُّ بِذَلِكَ أَيْضًا ، وَقِيلَ : لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِنَا وَلَا مِنْ فِعْلِنَا ، وَيَرُدُّهُ أَنَّ الْغَاشَّ لَا يَكُونُ مِنْ الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَشْتَغِلَ بِنَفْيِهِ عَنْهَا ، وَقِيلَ : لَيْسَ مُجِيبًا لَنَا ، وَيَرُدُّهُ أَنَّهُ قَدْ أَجَابَ إلَى الْإِسْلَامِ ، وَقِيلَ : لَيْسَ مُتَّبِعًا لَنَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً : ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ ، وَقِيلَ : لَيْسَ بِوَلِيٍّ لَنَا وَهُوَ الْحَقُّ ، ذَكَرَ ابْنُ بَرَكَةَ ذَلِكَ ، قُلْتُ : أَرَادَ ابْنُ بَرَكَةَ أَنَّ تِلْكَ الْأَقْوَالَ لَمْ يُحْسِنْ قَائِلُهَا فِي التَّعْبِيرِ إذْ عَبَّرَ بِمَا يُوهِمُ خِلَافَ الْحَقِّ مِنْ التَّفْسِيرِ ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ تِلْكَ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وَفَاءِ دِينِنَا وَمِلَّتِنَا ، وَلَيْسَ خُلُقُهُ وَأَفْعَالُهُ مِنْ أَخْلَاقِنَا وَأَفْعَالِنَا ، وَلَيْسَ مُجِيبًا لَنَا فِي الْوَفَاءِ بِالدَّيْنِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ هُوَ مَعْنَى الْقَوْلِ الْأَخِيرِ ، وَمِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ ﴿ أَنَّهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِطَعَامٍ فَقَالَ : مَا أَطْيَبَهُ ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ : أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَوْفِهِ ، فَأَدْخَلَهَا فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا ، فَقَالَ لِرَبِّ الطَّعَامِ : أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ جَمَعَتْ خِيَانَةً فِي دِينِك وَغِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ ، وَذَلِكَ الطَّعَامُ هُوَ الْبُرُّ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي الْغِشِّ سَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ حَاصِلَهَا ، وَالْغِشُّ وَالْغَرَرُ وَالْخَدِيعَةُ وَالتَّدْلِيسُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَرَرُ (

٦٬٦٩٠ / ١٧٬٤٣٨