تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

36

الجزء ٣ · صفحة ١٢٦

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا ﴾ مِنْكُمْ ﴿ وَاسْتَكْبَرُوا ﴾ ترفعوا ﴿ عَنْهَا ﴾ أَى عن تصديقها تعظيماً لأَنفسهم عن أَن يذعنوا لها ﴿ أَولَئِكَ أَصْحَابُ ﴾ أى ملاصقو وحاضرو ﴿ النَّارِ ﴾ ولا دلالة فى الآية باسقاط الفاء من قوله أولئك على جواز إِخلاف الوعيد ولو عند قومنا كما توهم بعضهم ، فإِن المشرك لا يعفى عنه إِجماعاً ، والمكذب مشرك إِلا أَن يدعى أَن الإِسقاط تلويح إِلى جواز إِخلافه فى غير المشرك ، وذلك مع أنه غير حجة هو ضعيف أَيضاً . ومقابل ذلك أنها تثبت فى فلا خوف إِلخ مبالغة فى الوعد ، كذا قيل ، وإِنما يثبت على أَن من موصولة ، ولا يلزم هذا بل الأَصل أَنها شرطية ، وقرن خبر الموصولة بالفاء تشبيه لها فى العموم بالشرطية لا تلويح للمبالغة ﴿ هُمْ فِيهَا خَاِدُونَ ﴾ أبدا . وعظم الله D جريمة المتكبرين عن الإِيمان الموجبة للعقوبة بقوله :

﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ لا أَعظم ظلماً ولا مساوئَ ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا ﴾ بالإِشراك وإِثبات الصاحبة والولد وتحليل ما لم يحل وتحريم ما لم يحرم ﴿ أَوْ كَذَّبَ بآيَاتِهِ ﴾ أَى المتلوة والمعجزات ﴿ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ ﴾ فى الدنيا ﴿ نَصِيبُهُمْ ﴾ من رزق ولباس وصحة بدن وعمر وسائر ما يتمتع به ، وهذا أَنسب بلفظ النصيب لأَنه فى النفع أَظهر ، أَو نصيبهم سواد الوجوه وزرقة العيون ونار تلظى ﴿ فأَنذرتكم ناراً تلظى ﴾ والأَغلال ﴿ إِذ الأَغلال فى أَعناقهم ﴾ أَو الجزاء على الأَعمال ، وهذه الشرور أَنسب بقوله ينالهم إِذا لم يقل ينالون ، أَو كل ما يكون لهم فى الدنيا من محبوب ومكروه وغيرهما ، هذا والوجه الأَول أَنسب بقوله حتى إِذا جاءَتهم إِلخ لأَن حتى ولو كانت للابتداء لا تخلو من الغاية والتفريع بخلاف ما هو من الشر الذى يقع فى الآخرة ، فإنه لا يسبق الوفاة فلا تتفرع عليه ، اللهم إِلا على طريق الترتيب الذكرى والنصيب هو المكتوب ضمن فى قوله ( مِنَ الْكِتَابِ ) للبيان ، والكتاب بمعنى المكتوب ، إِذ ينالهم نصيبهم حال كونه هو المكتوب لهم أَو مكتوبهم . ويجوز أَن تكون للتبعيض فيشمل الكتاب كل ما كتب لهم ولغيرهم . كما قيل إِن الكتاب اللوح المحفوظ فانه كتاب فيه نصيب كل أَحد ، وعليه فمن للابتداء ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا ﴾ ملك الموت وأَعوانه ﴿ يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾ يستكملون عدد أَرواحهم فى الموت عند آجالهم ، أَو رسلنا ملائكة موكلون باستكمال عددهم فى إِدخال النار ، والجملة حال مقدرة ، أَى ناوين توفيهم أَو مريدين له ﴿ قَالُوا ﴾ أَى الرسل ﴿ أَيْنَ مَا ﴾ ما موصول اسمى أَى أَين الذين ﴿ كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ﴾ أَى تدعونهم ، أَى تعبدونهم وإِنما قدرت الذين وضمير جماعة الذكور والعقلاء وهو هم لأَن المشركين يعظمون أَصنامهم ويتكلمون بصيغة ذلك كما فى آياتٍ أخر ، وكما عبَّروا عنهم بواو ضلوا فى قوله ﴿ قَالُوا ﴾ أَى المشركون ﴿ ضَلُّوا ﴾ أَى الأَصنام ﴿ عَنَّا ﴾ أَى غابوا إِذ لم يحضروا ، أَو غابوا أَو لم ينفعونا فكأَنهم غابوا ولو حضروا ، ومقتضى جواب أَين أن يقولوا : لا ندرى أَين هم ، أَو فى موضع كذا ولكن أَجابوا بضلوا لأَن معنى السؤال : ما شأْن آلهتكم التى تعبدونها وترجون نفعها ، فأَجابوا بأَنها ضلت حين اشتدت الحاجة إِلى النفع .

١٬١٢٦ / ٦٬٠٩٣