تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

25

الجزء ٣ · صفحة ١١٥

﴿ قَالَ ﴾ كرر القول ، قيل لبعد اتصال الحياة فى الأَرض والموت فيها والإِخراج منها بالأَمر بالإِهباط وبعداوة بعض لبعض ، والاستقرار فى الأَرض والتمتع فيها ، ويبحث بأَنه لا بعد فى ذلك بل مناسبة لأَن ذلك كله فى الأَرض والإِهباط إِليها والإِخراج منها ، بل كرر لإظهار الاعتناء بما بعده وهو قوله ﴿ فِيهَا ﴾ للحصر ﴿ تَحْيَوْنَ وَفِيهَا ﴾ قدم للحصر ﴿ تَمُوتُونَ ﴾ ودخل البحر فى الأَرض لأَن المراد بها ما قابل السماءَ مطلقاً ﴿ وَمِنْهَا ﴾ قدم للحصر والفاصلة ﴿ تُخْرُجُونَ ﴾ للجزاء ، وكذا فى قوله :

﴿ يَا بَنِى آدمَ ﴾ ناداهم ليذكرهم بعض النعم جلباً لامتثال ما هو المقصود بقوله لا يفتننكم ﴿ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا ﴾ خلقناه ، وسمى الخلق إِنزالا لأَنه بأَسباب وتدبيرات سماوية كنزول المطر للقطن والكتان وغيرهما ، ولمعيشة الحيوانات ذوات الصوف وغيره وبقضاء فى اللوح المحفوظ كقوله تعالى ﴿ وأَنزل لكم من الأَنعام ﴾ ﴿ وأَنزلنا الحديد ﴾ يستر ﴿ سَوْءاتِكُمْ ﴾ أَى التى قصد إِبليس كشفها من أَبيكم آدم ، وحتى اضطر إِلى إِلزاق الأوراق فاذكروا نعمة الله عليكم فى إِغنائه إِياكم عن خصف الأوراق ، وفى عدم نزع اللباس عنكم كما نزع عنه ، فهذه الآية متصلة بقوله بدت لهما سوءاتهما إلخ . . وروى مسلم عن ابن عباس أَن العرب كانوا يطوفون عراة لأنهم عصوا الله فى ثيابهم فنزلت الآية ﴿ وَرِيشًا ﴾ لباسا فاخراً تتجملون به فهو أَخص من اللباس ، أَو مالا وخصبا وحسن الحال ، أَو جمالا فى أَبدانكم ، وأَصل الريش فى الجمال وفى المال ، وشهر فى ريش الطائر وهو زينة له كاللباس للآدمى فلا حاجة إِلى دعوى أَن لمرد المال أَو الجمال استعارة من ريش الطائر ، ولا إِلى دعوى أَنه مصدر من قولك راشه ريشاً أَى جعل فيه مالا أَو زينة ﴿ وَلِبَاس التَّقْوَى ﴾ بالنصب عطف على لباسا من إِضافة المشبه به للمشبه . أَى وتقوى كاللباس فإِنها تقى من العذاب والخسة كما يقى الثوب من الحر والبرد ولكشف العورة ، وهى على العموم ، أَو خشية الله D أَو الحياء أَو الإِيمان أَوا لسمت الحسن ، أَو لباس الحرب كالدرع والمغفر ، فالتقوى على هذا اتقاء ضرر العدو ، وإِضافته إِضافة الآلة للعمل ، ويقال إِضافة السبب ، وكذا إِن فسرنا لباس بما يستر العورة ، وأضيف للتقوى رداً عليهم إِذ زعموا أَن التعرى فى الطواف تقوى ، أَو هو اللباس الخشن للتواضع أَو اللباس المزين لحضور مواضع العبادة تعظيماً لها أَو تمتعاً بلا رياء ولا سمعة . لأَن للزينة غرضاً صحيحاً كما قال الله جل جلاله : ﴿ وزينة ولكم فيها جمال ﴾ والأَول أَولى لأَن المتبدر أَن المقام مدح للتقوى نفسها لا لسببها ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ من لباس الستر ولباس الزينة ومن كل لباس ، والإِشارة إِلى لباس التقوى أَو إِنزال اللباس وهو أَولى لأَنه أَظهر فى أِنه آية كما قال ﴿ ذَلِكَ ﴾ أَى إِنزال اللباس كله ﴿ مِنْ آياتِ اللهِ ﴾ الدالة على فضله ورحمته ، كما يدل له المقام ، أَو من دلائل قدرته ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ يقبلون إِلى تدبر ما أَعرضوا عنه فيؤمنون بوحدانيته ويعرفون نعمته ، ويتورعون عن القبائح . والمقام للخطاب إِشارة إِلى أنهم كمن يوأس منه فيترك خطابه ، وإِلى أَنه يكفى فى خطابهم ما مر .

١٬١١٥ / ٦٬٠٩٣