27
الجزء ٣ · صفحة ١١٦﴿ يَا بَنِى آدَمَ لاَ يَفتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ لا يصرفنكم بوسوسته عن العمل الصالح والتقوى ، أَو عن الجنة ، واللفظ نهى للشيطان الذى هو السبب ، والمراد النهى عن المسبب وهو اتباعه ﴿ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ﴾ بفتنته ، أَى فتنا ثابتا كإِخراجه إِياهما ، أَو أَو فتنا مثل إِخراجه ، وقوله ﴿ يَنْزِعْ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا ﴾ حال من أَبويكم ، أَو من ضمير أَخرج ، والنازع الله عز ولج فأَسند النزع للشيطان والعياذ بالله لأَنه سبب ، واللام للتعليل على أَنه - لعنه الله - عارف بفهمه أَو من الملائكة أَن الأَكل من الشجرة سبب للنزع ، وإِلا فللعاقبة والمضارع فى الموضعين لتكون الحال كما لمشاهدة وإِلا فالنزع والإِرادة ماضيان ، وأَكد التحذر وعلله بقوله ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ ﴾ أَكد بهذا الضمير المستتر لزيادة التنبيه على أَن الرائي لكم هو ذلك العظيم المكر والسوء ليأخذوا حذرهم جداً ، وكم كاف فى العطف على المستتر إِذا عطف عليه بقوله ﴿ وَقَبِيلُهُ ﴾ جماعته المختلفة كالروم ومن الجن والزنج منهم والعرب منهم أَو أَصحابه وجنده ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ﴾ من للابتداء ، وكل موضع رأَونا منه فالرؤية مبتدئة منه منتهية إِلينا ، لا ترونهم كلما شئتم بل قد ترونهم قليلا موافقة ولو على تحقق بلا تخييل كما يراهم سليمان عليه السلام وهو من البشر ، وكما قال رسول الله A إِذ قبض شيطانا وقال : « كنت أَردت أَن أَربطه فى سارية لتروه فتذكرت قوله تعالى » رب هب لى ملكا لا ينبغى لأَحد من بعدى « فأَطلقته » وأَلفت فى ذلك رسالة ثم رأيت الكرخى صرح بأَنه تكون رؤيتهم على أَصل خلقتهم لبعض الناس ، وليس عدم رؤيتنا إِياهم للطافَة أَجسامهم وعدم أَلوانهم بل لأَن الله D حجبهم عنا ولم يخلق فينا قوة إِبصارهم ، وخلق فيهم قوة إِبصارهم إِيانا وقوة إِبصار بعض بعضاً ، وإِلا فإِنهم أَجسام ولهم أَلوان ، ولو لطفوا أو خصوا بأَنهم يخرجون من تحت الثرى ويروننا ولا نراهم ويعود شيخهم شاباً ، قال ذو النون : يراك الشيطان من حيث لا تراه ولكن الله يراه من حيث لا يرى فاستعن بالله عليه فإِن كيد الشيطان ضعيف ، ولم نكلف محاربة أَعيانهم حتى يكون عدم رؤيتنا إِياهم مانعاً من محاربتهم ، بل كلفنا الله دفع وسوستهم بالاستعاذة بالله وذكره . وقال مالك بن دينار : إِن عدوا يراك ولا تراه لشديد المئونة إِلا من عصمة الله D ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ ﴾ أَعوانا ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يغلبونهم فى الفساد فهم أَصدقاؤهم لمناسبة بينهم أَو مكانتهم من إِغواء الذين لا يؤمنون ، فهم بتولون أَمرهم بالإِغواء .