تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

149

الجزء ٣ · صفحة ٢٣٥

﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ ﴾ نائب فاعل سقط والفاعل العض أَو الفم أَو الأَسنان ، ومن شأْن النادم عض يده ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ أَو التقليب ﴿ فأَصبح يقلب كفيه ﴾ أَو الرأس ، ومن شأَن النادم وضع وجهه أَو ذقنه على يده ، أَو الندم أَو الخيبة ، وخصت اليد لوقوع أَثر الندم عليها ، ولأَنها المباشرة للأَعمال غالباً ، حتى أَنه يسند إِليها ما لم تباشر ، أَو اليد بمعنى النفس ، ومن ندم على شئ وعجز قيل له : سقط على يده ، أَو فى يده ، وفى على ظاهرها ، أَو بمعنى على ، ولم يسمع قبل القرآن سقط فى يده ، أَو فى أَيديهم ، أَو نحو ذلك ، وهو لا يتصرف فى معنى الندم ، لا يقال مسقوط فى يده أَو يسقط فى يده للبناء للمفعول أَو للفاعل على معنى الندم أَو ساقط فى يده كذلك ، أَو نحو ذلك من التصاريف ، وذلك استعارة تمثيلية ، شبه حال الندم فى النفس بحال الشئ فى اليد ﴿ وَرَأَوْا َنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ﴾ علموا أَنهم قد ضلوا باتخاذ العجل ، أَو عبر عن العلم برؤية العين مبالغة فى ظهور ضلالهم المعقول حتى كأَنه محسوس للمسارعة إِلى بيان حصوله ، وللإِشعار بسرعته كأَنه سابق على الرؤية ، ولأَن الانتقال من الجزم بالشئ إِلى تبيين الجزم بالنقيض يكون فى الغالب إِلى الشك ثم الظن بالنقيض ثم الجزم به ، ثم تبينه ، والقوم جازمون بأَنهم على صواب ، وكان ندمهم المعبر عنه بقوله D سقط بعد رجوع موسى ، وقدمه على ذكر رجوعه ليتصل ما قالوا بما فعلوا ، وأَخر قوله D ﴿ ورأَوا أَنهم قد ضلوا ﴾ عن الندم مع أَنه مقدم إِذ هو سبب للندم ، لأَنه علة فى قوله سقط فى أَيديهم ، والمقصود هو المعلول فقدم المقصود ، ولأَن الندم هو السبب لطلب المغفرة فيقدم ، وهى فى قوله D ﴿ قَالُوا ﴾ لله وبعض لبعض ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ﴾ بإِنزال التوبة علينا ، وهو توفيقه لنا إِليها وقبولها ﴿ وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ بعدم العقاب ، وقدم التوبة لأَن التخلية قبل التحلية ، وقبولها مقدم على المغفرة وسبب لها ، وقدم الرحمة مع أَنها تحلية على المغفرة مع أَنها تخلية مسارعة إِلى ذكر ما هو المقصود الأَصلى بالذات ، وأَنها سبقت غضبه تعالى ، ولأَن الرحمة مبدأ لإِنزال التوبة المكفرة لذنوبهم ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾ دنيا وأُخرى ، كما قال آدم وحواء ﴿ ظلمنا أَنفسنا ، وإِن لم تغفر لنا ﴾

١٬٢٣٥ / ٦٬٠٩٣