تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

156

الجزء ٣ · صفحة ٢٤٥

﴿ وَاكْتُبْ ﴾ أَوجب أَو أَثبت أَو أَقسم ، واختار الكتب لأَنه أَدوم ، أَو وفقنا للحسنات التى يكتبها الحفظة ﴿ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ ما يحسن من طاعة ونعمة وعافية وسهولة الموت ﴿ وَفِى الآخِرَةِ ﴾ حسنة تسهيل القبر والحشر والحساب والموقف والجنة ، وكأَنه قال : اقبل وفادتنا ، واجعل جائزتنا المغفرة والرحمة ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ﴾ رجدنا إِليك بالتوبة ، تعليل جملى للدعاء ، فإِن الدعاءَ مما يوجب قبوله ، وأَصل الهود الرجوع برفق ، سميت به اليهود مدحاً ، ولما بدلوا كان ذماً لهم لازماً باعتبار المسمى لا باعتبار مدلول اللفظ ، والمراد هدنا إِليك من معصيتنا ، والعجب ممن يخطِّئ نافعاً وغيره فى ضم الهاء ، ورغم أَنه لا يقال هاد يهود ، بل هاد يهيد بمعنى مال يميل ، كما قرأَ زيد ابن الإِمام على بن أَبى طالب ، فإِن الضم قراءَة متواترة ، والقراء إِنما أَخذوا القراءَات عنا لصحابة كنافع عن ابن عمر وعن التابعين ، ويجوز أَن يكون مبنياً لمفعول ، من هاده يهيده حرَّكه ، فهم حركوا أَنفسهم أَو حركهم الله أَو الوعظ على لغة من يقول فى باع بوع ﴿ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ﴾ تعذيبه لخذلانه أَو تكفير الذنوب به كما أمروا بقتل أَنفسهم وكإِعلاء الدرجات ، لا اعتراض على ، فإِن المخلوقات كلها ملك لله D ، ولا اعتراض على من تصرف فى خالص ملكه وملك المخلوق غير خالص ، فيعترض عليه بالأَمر الشرعى كالنهى عن الإِسراف وظلم العبد وإِخراج الزكاة ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ ﴾ فى الدنيا بالإِحياء والصحة والعقل فيمن عقل والزرق للمؤمن والكافر والمكلف وغير المكلف ودفع البلاء وغير ذلك . قيل : هذا معنى رحمتى سبقت غضبى . ويروى غلبت غضبى ، وإِذا صار الناس إِلى الآخرة وجبت الرحمة للمؤمنين خاصة والكافر كالمستضئ بنور غيره ، فإِذا ذهب نور السراج بالسراج بقى فى الظلمة ، عبر بالمضارع فى العذاب وباماضى فى الرحمة وسعتها ، قيل : لأَن الرحمة مقتضى الذات ، والعذاب مقتضى المعاصى ، والمشيئة معتبرة فى جانب الرحمة أَيضاً ، ولم يقل : ﴿ وسعت كل شئ ﴾ مما أَشاء ، أَو وسعت من أَشاءَ تعظيماً لأَمر الرحمة ، وقيل : للإِشعار بغاية الظهور ، لما نزل ذلك قال إِبليس والمشركون بلسان الحال : أَنا من كل شئ ، فنزل قوله تعالى : ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الشرك والكبائر ، تعريض بأَن هؤلاء غير متقين ، والسين للتأكيد لا للاستقبال ، والمضارع للحال ، أَو بمعنى الماضى ، وما قبل هذا إِجمال ، وهذا الكتب تفصيل خصوص ، وقال بعض إِن المراد بالذين يتقون عموم المتقين من غير أَهل الكتاب ، ومن أَهل الكتاب ، ونسبه بعض للجمهور ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ﴾ المفروضة ، لم يذكر الصلاة اكتفاء بالتقوى ، إِذ تركها أَعظم ما يتقى بعد الإِشراك من حقوق الله D ، وزعم بعض أَن إِيتاءَ الزكاة هنا تزكية النفس بطاعة الله ورسوله ، قيل : ذكر الزكاة لمشقتها على بنى إِسرائيل لمزيد حبهم للدنيا ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ فقالت اليهود والنصارى بلسان الحال : نحن نؤمن بالتوراة والإِنجيل ونؤدى الزكاة ، فنزل رداً عليهم قوله تعالى :

﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ﴾ فى شرعه كله إِذا أَدركوه ، أَو قومك الآن باعتقاد الإِيمان به ، فمن لم يؤمن به من قومك هلك ، والرسول أَخص من النبى ، وقدم مع ذلك ، والغعالب تقديم الأَعم ، وأَما ما قيل : الرسالة من الله والنبوة الإِخبار منه للعباد ، وما قيل أَن النبى نبئَ من الله وما لا تستقل العقول بإِدراكه ، وأَنهما مفهومان مفترقان فلا يكفى جواباً ﴿ النَّبِىَّ الأُمِّىَّ ﴾ وإِنما آخر الصفة العامة وهى النبى لتخصيصها بالأُمى ، فالنبى بهذا أَخص من الرسول ، ولا سيما أَنه ذكر بلفظى النبى والأُمى فى التوراة ، وذلك بحسب الوضع الشرعى والاستعمال ، وأما بحسب الوضع واللغة فكل منهما عام وقد جاءَ رسولا نبياً ، والأُمى نسب إِلى الأُم كأَنه كما و لد من أمه ﴿ الَّذِى يَجِدُونَهُ ﴾ أَى باسمه وصفته ولحذفهما أَفرد قوله ﴿ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ ﴾ لا يغيب عنهم لظهوره فى التوراة وتكرره فيها ﴿ فِى التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ ﴾ اسمه فيها « المنحمنا » بضم الميم الأُولى وكسر الثانية أَفصح من فتحها ، وهو بالسريانية فى التوراة ومعناه محمد الذى يحمده الخلق وفى الإِنجيل أَحمد ، وبسطت الباب فى شرح نونية المديح : « تيمم نجدا فى تلهفه الجانى » وهو أَكثر من ثلاثة مجلدات .

١٬٢٤٥ / ٦٬٠٩٣