تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

143

الجزء ٣ · صفحة ٢٢٧

وموسى منزه عن ذلك بل قال أَصحابه ، ونفى الرؤية مدح فلا يختص موسى بانتفائها ، وإِنما خص بالذكر لأَنه طلبها بإِفراد نفسه فأَجابه على الإِفراد فقال : لن ترانى ، ولم يقل : لم أَر بالبناء للمفعول على صيغة العموم ، ولا يقال لو كان الطلب منهم لبين لهم أَنهم أَخطأوا ، لأَنَّا نقول أَنكر عليهم كما أَنكر عليهم إِذ قالوا : اجعل لنا إِلها ، ولما تمادوا على طلب الرؤية أَراد النص من الله لهم جمعاً بين ما عنده من الدليل العقلى ، وما يطلبه من الدليل السمعى ، بل لو طلبها لعدم علمه بانتفائها لم يلزم شئ لأَنه يطلب العلم من الله سبحانه ، والنبوة لا تتوقف على العلم بجميع الأَصول مرة قاله الحسن البصرى ، ولا يقال : لو كان السؤال لهم لقال : أَرهم ينظروا إِليك ، وقال الزيرونى : لأَنَّا نقول : تكلم بصيغة نفسه عنهم لأَنه إِذا منع الرؤية فأَولى أَن يمنعوها ، ومنع موسى منع لهم لاستحالتها ، كأَنه قيل : لست ممن يرى . كيف يحس الحادث القديم؟ ﴿ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ ﴾ هو جبل زبير وهو أَعظم جبل بمدين وهو طور سيناءَ ﴿ فِإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ ﴾ مع ظهور آية له ﴿ فَسَوْفَ تَرَانِى ﴾ هو لا يستقر له ولا يطيق وهو أَقوى منك ، فكيف تطيق مع ضعفك ، فأَحيا الله الجبل وجعل له العقل ، وأَظهر له آية فلم يستقر كما قال ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ﴾ ظهر بظهور آية ، وظهوره ظهور آية له ، قيل أَظهر له من نور عرشه قدر نصف أَنملة الخنصر ، رواه الحاكم حديثاً ، وقال الضحاك : مثل منخر الثور من نور الحجاب ، والحجاب جسم مخصوص ليس الله حالا فيه كالعرش والكرسى ليس فيهما ، وعن عبد الله بن سلام وكعب الأَحبار ، مثل سم الخياط ، وعن سهل بن سعد قدر الدرهم ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ مدكوكاً أَو نفس الدك مبالغة ، دقيق الأَجزاء كالتراب ، أَو سوى بالأَرض أَو جعله كسراً ، وقد قيل جعله جبالا صغاراً ستة : أَحداً وورقاءَ ورضوى بالمدينة . وثورا وثبيرا وحراءَ بمكة ، وذلك كله لنور خلقه الله فكيف لو بدا الله جل عن صفة الخلق ﴿ وَخرَّ ﴾ سقط ، يطلق ولو بلا صوت ، وخصه بعض بماله صوت لجريه فى الهواء كالحجر الساقط من عالٍ ، وعليه فإِطلاقه استعارة أَو مجاز الإِطلاق والتقييد ، وذلك يوم عرفة ، وإِعطاء الكتاب يوم النحر ﴿ مُوسَى صَعِقًا ﴾ مغشياً عليه سكران لهول ما رأَى من حال الجبل ، وما نزل على الجبل من النور ، وما يروى أَنه حين صعق لكزته الملائكة بأَرجلها وقالوا : أَتطمع فى رؤيته يابن النساء الحيض أَظنه كلاماً وضعته اليهود كذباً ﴿ فَلَمَّا أَفاقَ ﴾ من صعقه ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ ﴾ أَسبحك عن أَن ترى ، وعن صفات الخلق دائماً بلا انقطاع تسبيحاً ﴿ تُبْتُ إِلَيْكَ ﴾ من سؤال الرؤية عن قومى بلا إِذن ﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ من بنى إِسرائيل بما أَوحيت بأَنك لا ترى ، وأَن صفات الخلق لا تليق بك ومنها رؤيتك فى الدنيا أَو الآخرة ، وكل ما أوحى إِلى نبى من الأَنبياءَ فذلك النبى هو أَول من يؤمن به ممن معه أَو بعده ، وذلك من حيث أَنه موحى إِليه به ولو علم قبله أَو علم بعده بدونه ودون وسائطه .

١٬٢٢٧ / ٦٬٠٩٣