4
الجزء ٥ · صفحة ٢٠٢ولما فرغ قصدوه بالقتل فهرب ، فانفلقت له شجرة فدخل فيها ، وأخذ الشيطان هدبة من ثوبه فأراهم إياها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه ، وقيل مات زكرياء على فراشه فيقتصر على ذكر يحيى فى المرة الأولى : واستخلف الله منهم ناشبة بن أحوص ، وبعث لهم أرمياء بن حلفياء نبيا من سبط هارون ، ويقول إنه الخضر ، وأحدثوا واستحلوا المحارم ، فأوحى الله تعالى إلى أرمياء بضم الهمزة وشد الياء ، وقيل بضمها وكسرها ، وتخفيف الياء أن يذكرهم نعمه ، ويعرفهم بأَحداثهم ألهمه الله D خطبة بليغة ، وفى آخرها يقول الله D : إنى حلفت بعزتى لأفيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ، ولأسلطن عليهم جباراً ذا هيبة ، أنزع الرحمة من قلبه ، يتبعه من العساكر مثل سواد الليل المظلم ، وهو يخت نصر فقتلهم وقتل علماءهم ، وأحرق التوراة ، وخرَّب بيت المقدس ، وألقى فيه الجيف ، وسبى سبعين ألفا إلى بابل ، فمكثوا فيها سبعين سنة ، ثم سأل عن بيت المقدس وقتلاه فقيل بيت الله .
وعصوا الله فسلطه الله عليهم وهؤلاء السبعون أنفًا من ذرية الأنبياء ، فقال أخبرونى كيف أصعد إلى السماء : وأقتل من فيها ، وأملكها وإِلا قتلتكم فقالوا : لا يقدر أحد على ذلك ، وتضرعوا إلى الله D ، فأدخل الله بعوضة فى منخره حتى عضت بأم دماغه ، فما يسكن حتى يطأ على أم دماغه ، ومات وشقوه فوجدوها عاضة فيه ، وذلك انتقام ، وإظهار لقدرة الله D .
ورجعوا إلى الشام وبنوا وكثروا ، ولا نسخة من التوراة لهم ، فبكى عزير فقال له رجل وهو ملك : ما يبكيك؟ قال فقد التوراة ، وبها قوم دين الله D ، قال : أتحب أن ترجع إليك ، فارجع إلى موضعك ، وتطهر وسم ، ففعل فأناه بإتاه بإناء ماء فشربه ، فمثلت التوراة فى صدره ، ووجدوا نسخة فى موضع فقرأ وقابلوه بها ، ولم يغير حرفًا ، ثم بعد ذلك أحدثوا ، وقتلوا زكرياء ، وقيل قتلوها ويحيى ، وقصدوا قتل عيسى والثلاثة من آل داود .
﴿ وَلَتَعْلُنَّ ﴾ تتكبرون على أهلها بالظلم لهم فى أبدانهم وأموالهم ، وأعراضهم ، وعن طاعة الله ، واتباع الحق .
﴿ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ ﴾ حان وقرب .
﴿ وَعْدُ أُولاَهُمَا ﴾ وعد عقاب المرة الأولى ، أو الوعيد أى التوعد به ، أو وعيد بمعنى الوقت لوح بالعقاب فى ذكر الإفساد والعلو ، وذكره كذكر المعهود المذكور ، وفى ذلك استعمال الوعد فى الشر كما يستعمل فى الخير وهو شائع فى القرآن ، ودل على إرادة العقاب قوله تعالى :
﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِى بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ قوة وشدة فى الحرب ، وذلك تأكيد كظل ظليل ، أى شدة شديدة ، أو جزء من الشدة شدة ، وذلك تجريد بديعى ، وهو مبالغة ، وهم بخت نصر عامل هراسف على بابل وجنوده ، وقيل العمالقة أو جالوت الخرزى البربرى ، أو سنجاريب من أهل نينوى ، أرسل الله إليهم ملكًا يأمرهم من الله بقتل بنى إسرائيل لعتوهم أكثر من عُتُوّ المشركين ، أو وسوس الشيطان إِليهم بأن يقاتلوا بنى إسرائيل ، وذلك خلق من الله فسماه بعثًا بعثهم الله إِليهم حين كذبوا أرمياء ، وجرحوه وحبسوه ، واختاره بعضهم .