15
الجزء ٥ · صفحة ٢١٦والواضح أنهم لا يعذرون فى الشرك ، لأنهم عقلاء ، والموجدات دلائل الله يعرفونه بها ، وأغفلوا النظر فعوقبوا على الإغفال ، وبعثه الرسل منبهه ، ثم إِنى تنبعث الأخبار ، فاتضح أنه لم يخل زمان من مخبر بالتوحيد وما دونه ، لأنهم يسمعون أن ولد كذا عالماً وأن فى بلد كذا شجرة كتب فيها التوحيد ونحو ذلك ، ومع هذا لا يتم أنه بلغهم ذلك كلهم ، فالظاهر أن أهل الفترة قد لا يبلغهم الخبر ، فهم معذورون فى غير التوحيد ، ولو كان مجرد لوحى قاطعاً للعذر ولو بلا سماع لزم كفر من لم يبلغه الوحى فى زمانه A أيضاً فيكفر من فى المدينة حتى يجيئه الخبر من مكة وبالعكس ، وكذا سائر البلاد ، وكيف يقول الله D لأهل الفترة : ﴿ ألم يأتكم نذير ﴾ وكيف يقولون : « بلى قد جاءنا نذير فكذبنا لو قلنا ما نزَّل الله من شئ » إلخ ونحو ذلك .
وألزم الشرع من علم أن نبيا أرسل إلى أحد كأنه أرسل إليه ، وجاء الحديث بأن أهل الفترة فى النار ، وقال A لقومه وغيرهم : « آباؤكم فى النار » ولم يقيد بعدم السماع . قال الحليمى : إذا بلغ عاقلا خبر وجب عليه التأمل فيه ، وإن أهمل أشرك ، ويبعد أن يوجد أحد لم يبلغه خبر نبى لكثرة الأنبياء وصول أزمانهم . وكثرة من آمن ، وكثرة من عاند وخالف ، فتلزمه الحجة ولو بخبر من كفر ، وزعمت الأشعرية أن لا تكليف قبل البعثة ، ولزمهم إِباحة الإشراك .
ومذهب أبى حنيفة أن من لم تبلغه الدعوة إن لم يصدق بوجود الله تعالى ووحدانيته يخلد فى النار ، لكونه عامًّا ، وجعل الرسول عاما للعقل . والآية رد على المعتزلة فى قولهم بالحسن والقبح العقليين ، وأن العقل يحكم بالوجوب والتحريم طبق حكم الله ، ولا يخالف وهو خطأ فاحش ، والعقل عاجز عن ذلك كما لا يخفى عن كل أحد ، وهو مخالف للقرآن لنص القرآن الحجة الرسل على العقلاء .