تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

77

الجزء ٥ · صفحة ٤١٤

وفى أبوا أن يضيفوهما تشنيع ليس فى أبوا أن يطعموهما ، لأن الكريم قد يغفل عن السائل أو يرده ، ولا يعاب عليه مثل ما يعاب عليه إذا رد الوارد ضيفا ولا يرد الضيف إلا اللئيم ، ومن أعظم ما تهجو به العرب البخيل قولهم : فلان يطرد الضيف ، ودونه يحرم الضيف ، وشر القرى التى لا يضاف فيها لابن السبيل حقه .

وذكر بعض أن أهل تلك القرية لما سمعوا نزول الآية ، أتوا إِلى النبى A يحمل من ذهب وقالوا : خذه وقيل : أتوا أن يضيفوهما بالمثناه الفوقية ، بدل الموحدة ، وقيل : أتوا فى زمان علىّ ، ولم يصح شئ من ذلك ، ولو صح لكان أخبث لهم من الشح ، إذ طمعوا أن يبدل النبى A ، أو على القرآن ، ولو بالدنيا وبإِسلام أهلها كلهم ، وعطف على أتيا بقوله :

﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا ﴾ على الشارع ، بأن التجآ إليه فى ليلة باردة ، إِذ لم يجدا مأوى ، وطوله إِلى السماء مائة ذراع عن وهب بن مغبه ومائتا ذراع عن الثعلبى ، وعلى الأرض خمسمائة ذراع ، وعرضه خمسون ، يمرون تحته خائفين .

﴿ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾ ينفعل من القض ، بمعنى الكسر ، والمراد السقوط بسرعة والسقوط من لازم الانكسار ، أو من الفضة وهى الحصى الصغار ، يقال : طعام قضض إذا كان فيه الحصى ، والمعنى يريد إِن يكن حصى بابًا لتفتت ، ومن لازم ذلك أن يسقط أو افعل بشد اللام من المقض ، وفيه أن فعل بشدها فى الألوان والعيوب ، كأخولّ بشدها ، ويضعف أن يقال : الانقضاض ملحق بالعيوب ، لأنه ليس موضوعًا بالذات للعيب ، ونسبة الإرادة إلى الجدار ، وإِسناد الإرادة إلى الجدار ، مجاز عقلى ، لأن إرادة الشئ سبب لقربه ، وبلزوم قربه ، فالمراد قرب وقوع الجدار ، أو استعارة بأن شبه قرب السقوط بالإرادة لجامع الميل ، أو شبه الجدار بالإنسان أو الحيوان الآخر ، ورمز إلى التشبيه بلازم الحيوان ، أو الإنسان ، وهو الإرادة .

وفى أصول الفقه أن محمد بن داود الأصبهانى منع المجاز فى القرآن ، فرد الضمير إِلى الخضر أو موسى أو الجدار ، على أن الله خلق فيه الإرادة ، وذلك تكلف .

وقال أبو حيان : لا يصح منه إنكار المجاز ، ولو صح عن أحد إنكار المجاز فى القرآن لقلنا إنه أهل لأن يكون للحوافر والأظلاف مجازاً ، وينافى إِرادتهما أن ينتقض .

﴿ فَأَقَامَهُ ﴾ إِلا أن يتكلف أن الخضر أراد هدمه ، ثم ظهر له أن يصلحه ، وأما موسى فلا وجه لإرادته أن ينتقض ، وعن أُبىّ بن كعب : أنه قرأ رسول الله A : « يريد أن ينقض فهدمه ثم يبنيه » ، وعن ابن عباس وابن جبير أقامه بمسحه بيده ، وقيل : أقامه بعمود عمده ، وقال مقاتل : سواء بالشيد .

٢٬٤١٤ / ٦٬٠٩٣