تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

77

الجزء ٥ · صفحة ٤١٥

﴿ قَالَ ﴾ موسى ﴿ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ ﴾ أى على إقامته بالمسح ، أو بالتعميد ، أو بالبناء بعد الهدم ، أو بالتخصيص ﴿ أَجْرًا ﴾ لا يقال هذا مانع من كون الإقامة بالمسح ، إذ لا تستحق الأجرة لسهولتها ، ولا سيما أن يكون الطالب نبيًا ، لأنا نقول : يحل طلب الأجرة ولو كثيرة على عمل ولو يسيراً ، ولو كان بسره بقدرة إِلهية غير جارية على المعتاد ، والمتبادر أن قوة نفس موسى ضعفت ، فلم يبق له السؤال إلا بهذه العبارة .

واتخذ افتعل من تخذ أدغمت تاء تخذ فى تاء افتعل ، وقيل : افتعل من أخذ ، أبدلت همزته تاء وأدغمت فى تاء افتعل ، حثه موسى عليهما السلام على أخذ الأجرة ، لأن إقامته عمل كبير ، وهما محتاجان ، ولا سيما قد حرموهما من الإطعام ، حتى كأنه سأله : لِمَ لَمْ تَاخذ الأجر ، وقد شرط ألا يسأله حتى يحدثه ذكراً ، وقد شرط على نفسه إن سأله ثالثة أن لا يصاحبه ، فقال له الخضر : ما ذك فى قوله تعالى :

﴿ قَالَ ﴾ له الخضر : ﴿ هذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ ﴾ وذلك أن قوله : « لو شئت » إِلخ بمعنى إنى عالم بأنك أهل للأجرة على عملك ، فلِم تأخذوها فهو لازم الفائدة ، لا مجرد إخبار بأنه لو شاء لأخذ الأجر ، إذ لا فائدة فى هذا .

ويُبعد ما قيل إنه قال ذلك للخضر تعريضًا ، بأن إِقامته فضول بما لم يطلب منه ، مع احتياجهما وحرمانهما ، وإِنما مارقه الخضر على هذه الثلاثة ، ولم يصبر له لثقل الاعتراض عليه ، مع أن موسى عقد على نفسه الفرقة عليها ، ولأن هذه غير منكر ، لأن ترك الأجرة إِحسان بخلاف الأوليين ، فظاهرهما منكر ، ولأن الثلاثة لنفسه ، والأوليين لله كما روى عن ابن عباس ، ولو قيل إن هذا لا يصح عنه بجلالتهما عن تخحض طلب الدنيا ، والإشارة إلى الفراق المذكورة فى قوله : « فلا تصاحبنى » أى هذا فراق فى ذهنى موافق للذى ذكرت ، أو إلى الزمان الحاضر ، أى هذا الوقت فراق ، أو الاعتراض أى سبب فراق بينى وبينك إعادة الجار فى العطف على المجرورالمتصلهى الفصحى ، وإجراء الكلام عليها للتأكيد إذا لو قال هذا فراق بيننا لصح ، وذلك من إضافة المصدر إلى الظرف اتساعًا وقررها ابن الحاجب بقى .

ويقال بالمعنى لا بالوقوع تحقيقا أن يقال له حين أنكر خرق السفينة : أين تدبيرك وأنت فى التابوت ملقى فى البحر ، وكسرت ألواح التوراة بإلقائها ، وحين أنكر قتل الغلام قد قتلت القبطى بوكزة ، وحين أنكر إِقامة الجدار بلا أجر قد رفعت الحجر عن البثر ، وسقيت لبنتى شعيب بدون أجر .

وقد قيل : إنه خاطب موسى بذلك مرة عند إرادة الفراق ، ولا يصح ذلك ، قيل إلا إن قيل بالمعنى ، ولما أراد الفراق قال للخضر : أوصنى قال : كن نفاعا لا ضراراً وبشاشًا لا غضبانًا ، ودع اللجاجة ، ولا تمش فى غير حاجة ، ولا تعير امرأً بخطيئته ، وتعلم العلم للعمل به لا للتحدث به ، وقال : ادع لى ، فقال يسر الله عليك طاعته .

٢٬٤١٥ / ٦٬٠٩٣