المفهوم الخاطىء عن الملائكة
الجزء ٣ · صفحة ٦٨التقريب بين عقائد المسلمين وأفكار الماديين الذين ران الباطل على قلوبهم فلم تتمكن من إبصار الحقيقة وإدراك الحق ، وهيهات أن يلز الحق والباطل ، أو الهدى والضلال في قرن .
ثم ذكر عقب ما تقدم ما يحُس به كل أحد عندما يهم بأمر حق أو باطل من تنازع في نفسه بين دواعي الخير ودواعي الشر – وهي خواطره المترددة – إلى أن يترجح أحد الجانبين فيقدم على الفعل أو الترك في الأمرين ، وأجاز أن تسمى الخواطر الخيرية باسم الملائكة لأن التسميات لا حجر فيها على الناس ، فكيف يحُجر على صاحب الإرادة المطلقة ، والسلطان النافذ ، والعلم الواسع ؟ وذكر السيد رشيد رضا عقب كلامه هذا أن الإمام الغزالي سبق إلى بيان هذا المعنى وعبر عنه بالسبب ، وقال إنه سمي ملكا ، وذلك أنه بعدما قسم الخواطر إلى محمود ومذموم قال : (( ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ثم أن كل حادث فلا بد له من محدث ، ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب ، هذا ما عُرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب ، فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار ، وأظلم سقفه بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة ، وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان ، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا ، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا ، واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا ، والذي يتهيأ به لقبول الشر يسمى إغواء وخذلانا ، فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة )) (1) .
والفرق واضح بين كلام الغزالي هذا وكلام الإمام محمد عبده ، فإن الغزالي لم يزد على أن خواطر الخير تكون بإلهام الملائكة فإنهم يتولون بأمر الله إلقاءها في نفس الإنسان ، وخواطر الشر من أمر الشيطان ، وهذا هو الذي تفيده دلائل القرآن والسنة ، ولا يدل كلامه من قريب ولا بعيد أن خواطر الخير هي نفسها الملائكة ، وخواطر الشر هي الشياطين كما يقتضيه كلام الإمام محمد
عبده ، وإن عد كلامهما صاحب المنار من باب واحد .