المفهوم الخاطىء عن الملائكة
الجزء ٣ · صفحة ٦٩وبعد هذه التوطئة الطويلة من الإمام محمد عبده لغرضه المقصود أتى ببيت قصيدة حيث قال : (( فإذا صح الجري على هذا التفسير فلا يُستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أن الله تعالى لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها ، وجعل كل صنف من القوى مخصوصا بنوع من أنواع المخلوقات لا يتعداه ولا يتعدى ما حُدد له من الأثر الذي خص به ، خلق بعد ذلك الإنسان وأعطاه قوة يكون بها مستعاد للتصرف بجميع هذه القوى ، وتسخيرها في عمارة الأرض وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير ، وجعله بهذا الاستعداد الذي لا حد له والتصرف الذي لم يعط لغيره ، خليفة الله في أرضه ، لأنه أكمل الموجودات في هذه الأرض ، واستثنى من هذه القوى قوة واحدة عبر عنها بإبليس ، وهي القوة التي لزها الله بهذا العالم لزا وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكامل إلى النقص ، وتعارض مبدأ الوجود لترده إلى العدم أو تقطع سبيل البقاء ، وتعود بالموجود إلى الفناء أو التي تعارض في اتباع الحق ، وتصد عن عمل الخير وتنازع الإنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته ، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودي التي خُلق مستعدا للوصول إليها ، تلك القوة التي ضللت آثارها قوما فزعموا أن في العالم إلها يسمى إله الشر ، وما هي بإله ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته إلا هو - قال - ولو أن نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق)) (1) .
وإذا كان الإمام قال هنا بجواز هذا التأويل ورد الأمر فيه إلى اطمئنان القلب وسكون النفس ، فإنه تجاوز ذلك إلى القول بوجوبه بعد أن طمت عليه موجة من الاستنكار من العلماء الذين لم يألفوا مثل هذا التأويل البعيد عن مدلولات ألفاظ القرآن بحسب