الملائكة والشياطين من عالم الغيب
الجزء ٣ · صفحة ٨١ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين)( الأنبياء 82 ) ، وقوله : ( والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد ) ( ص : 37 ) ، وقال فيهم : ( ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور.
فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ) ( سبأ : 12 – 14 ) ، وقد نص الله عز وجل على أن للشيطان ذرية في قوله : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) ( الكهف : 50 ) ، وقد نصت الأحاديث على تناسل الشياطين كما نصت على أكلهم ومنه ما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ليأكل أحدكم بيمينه وليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله )) .
وإني أرى أن فتح هذا الباب في التأويل يوسع المجال لأصحاب الأهواء والأغراض بأن يتلاعبوا بكتاب الله كما تملي عليه أهواؤهم ، حتى يتسع الخرق على الراقع فيفقد بذلك القرآن ما اختصه الله به من هدى حيث تحجبه تأويلات الزنادقة وأقاويل المبتدعة إذ لا يبالون بلي أعناق الآيات حتى تتفق مع المفاهيم التي يهدفون إليها ، وماذا يمنع – مع فتح هذا الباب – من أن يقول قائل : إن المراد بنعيم الجنة ما يخُوله الإنسان في هذه الدنيا من خيراتها ، وأن المراد بعقاب النار ما يكابده من عنتها وبلائها .
وبالجملة فإن تأويل الملائكة والشياطين بما ذكره الإمام محمد عبده من أبعد التأويلات عن مدلولات القرآن ،بل هو مزيج من أقوال محكيه عن طوائف من النصارى ، وعن حكماء اليونان ، فقد حكى الفخر والألوسي في تفسيريهما عن طوائف من النصارى قولهم : إن الملائكة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة وإن الشياطين هي الأنفس الخبيثة ، كما نسبا إلى