جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الملائكة والشياطين من عالم الغيب

الجزء ٣ · صفحة ٨٢

الفلاسفة قولهم : إنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة (1) ، وحكى القطب في الهيميان كلا القولين وشنع على من قال بقول النصارى حيث قال : (( ومن اعتقد هذا حكمنا بإشراكه لقيام الأدلة القاطعة على أن الملائكة ليسوا كذلك – إلى أن قال – فإذا قلنا إن الملائكة أرواح الموت الفضلاء لزم أن يكونوا من بني آدم ، وأيضا قامت الأدلة أن الملائكة ، تبعث على حدة ، فليزم منه أن يكونوا بنو آدم مبعوثين بلا روح آخر أو غير مبعوثين ، أو مبعوثين بأرواح غير ما كان فيهم في الحياة الدنيا ، وذلك كله شرك لأنه إنكار للبعث الموصوف شرعا بأنه بأرواح وحياة وأنه لا يترك منه شيء مما كان فيه في الدنيا فكيف يبعثون بدون الروح التي كانت فيهم )) (2) .

وقد يدهش الإنسان من صدور هذا التأويل عن مثل هذين العالمين الجليلين اللذين طالما حملا لواء الدفاع عن الإسلام غير أن هذه الدهشة قد تتضاءل شيئا ما عندما يتصور الظروف الحرجة التي عايشاها ، وقد سبق أن أشرت في مقدمة التفسير إلى شيء من ذلك ، ولأجل المناسبة أرى أن أوضح قليلا هنا ما أشرت إليه هناك .

من المعلوم أن الإمام محمد عبده كان هو الربان الذي يقود سفينة المدرسة الإصلاحية في مصر بعدما تولى إنشاءها السيد جمال الدين الأفغاني إبان زيارته لمصر في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري وقد سلم زمامها بعد أن تم إنشاءها إلى تلميذه الكبير العملاق الإمام محمد عبده، فكان يجري بها بين تيارين متعاكسين كل منهما لا يقل خطورة على الدين الحنيف ؛ ويتمثل التيار الأول في مشائخ الدين الدجالين الذين ما كانوا يعرفون من الدين إلا قشورا سخيفة تنطوي تحتها على ما الدين براء منه من الخرافات والأوهام والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وكانوا يلقون التأييد الكاسح من الجمهور الساذج الذي لا يعرف معنى للدين إلا أنه العادات الموروثة والتقاليد المألوفة ويتمثل التيار الثاني في الثقافة

٨٥٩ / ١٬٢٢٠