الملائكة والشياطين من عالم الغيب
الجزء ٣ · صفحة ٨٣الأوروبية التي وفد بها طائفة من الشباب الذين نهلوا من معارف أوروبا وهم خلو من تعاليم الإسلام فعادوا إلى بلادهم وهم ينظرون إلى الدين نظرة أساتذتهم الغربيين إليه ، وهي أنه الحاجز الوحيد دون تقدم الأمم ورقي الشعوب ، ويتصورونه مزيجا من التناقضات والأوهام التي يأباها العقل ويرفضها العلم ، وقد رسخ في عقولهم هذه النظرة ما كانوا يسمعونه ويشاهدونه من أدعياء الدين الذين يلقبون شيوخه فكانوا يتطلعون بكل لهفة وشوق إلى اليوم الذي يقع فيه الدين الإسلامي تحت مطارق العلم الحديث والفكر الحر حتى يعود هباء منبثا كما سبق أن حل ذلك بالعقيدة النصرانية في الغرب إذ لم تلبث حتى ذابت تحت وهج العلم ، وكان رجال الإصلاح يعانون من هؤلاء ومن هؤلاء ، ولسان حالهم يقول : (( وحسبي من أمرين أحلاهما مر )) .
وقد أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن الدين الإسلامي ودفع التهم التي يوجهها إليه الحاقدون والمغرضون ، وإعادة الثقة به في نفوس أبنائه ، كما أخذوا على عاتقهم مسؤولية تنقيته مما يشوبه من بدع المحرفين ، وضلالات الدجالين ، وخرافات المشعوذين ، ونظرا إلى استنكار الماديين للقضايا الغيبية ، ومسارعتهم إلى التكذيب بالدين بسببها ، إذ لم تكن تستسيغها عقولهم القاصرة على الفكر المادي ؛ كان القائمون بالإصلاح يواجهونهم في تفسير هذه القضايا بما لا يصطدم مع المفاهيم التي ألفوها ، ولربما انزلقت أقدامهم في مثل هذه المسالك الصعبة كما تجده في تفسير قصة آدم هنا ، ومن ناحية أخرى فإن أولئك المحسوبين على الدين الملقبين بمشائخه كانوا يتوجسون خيفة من الإصلاح وانتشاره في أوساط الناس ، وكانوا يرشقون رجاله بمختلف التهم – من بينها : الكفر المخرج عن الملة – ليثيروا عليهم الدهماء ، ويقطعوا عليهم السبل فكانت نتيجة ذلك هذه الردة الفعلية التي تلمسها في رد الإمام عليهم في هذه المسألة ، الذي تراه مصطبغا بصبغة انفعاله الشديد ، ومتلهبا بنار