176
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٨﴿ وَلَوْ شِئْنَا ﴾ رفعه ﴿ لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ بالآيات والعمل بها إِلى منازل العلماء الأَبرار ﴿ وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ ﴾ مال واطمأَن ، والمراد فأَعرض عنها ، فعبر عن الإِعراض بسببه ، وهو الميل إِلى الدنيا وإِنما كان سبباً لتعلق المشيئة ﴿ إِلَى الأَرْضِ ﴾ أَى إِلى الدنيا . عبر عنها بالأَرض ، لأَن الأَرض للسكنى والحركة والسكون والغرس والحرث والبناء والعيون ، والتجر وكسب الأَموال والمعادن والنكاح والتسرى ونحو ذلك من الملاذ ، و ذلك متاع الحياة الدنيا ، أَو الأَرض عبارة عن السفالة فى الدين ، وقيل : مال إِلى الخلود فى الأَرض طامعاً فيها لاسم الله الأَعظم الذى عرفه ، واختيار لفظ الأَرض مشاكلة للسماء الملاحظة بذكر قوله : لرفعناه بها . ﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ فى المعاصى واختيار الدنيا على الدين ، وبيع الدين بالدنيا ، فلم نرفعه ، بل وضعناه ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ صفته الشبيهة بالمثل الذى هو كلام شبه مضربه بمورده فى الغرابة ﴿ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ﴾ أَى صفة الكلب ، وفسرها بقوله ﴿ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ ﴾ تشدد عليه بالطرد ﴿ يَلَهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ ﴾ لم تحمل عليه عطف على تحمل بأَو ﴿ يَلْهَثْ ﴾ عطف على يلهث ، أَى يلهث دائماً حمل عليه أَم لم يحمل عليه لضعف فؤاده ، فهو يلهث وإِن لم يعى ولم يعطش ، واللهث إِخراج اللسان فى تنفس ، شبه بأَخس الحيوان فى أَخس أَحواله ، تصوير للمقول بالمحسوس ، إِذ واظب على حب الدنيا ومالها وهو وسخ الناس ، وقد آتاه الله العلم والكفاف حتى أَلقى نفسه فى خسة فوق خسة الكلب اللاهث لهثاً متتابعاً فهو متابع للدنيا اتباعاً مستمراً ، وهو بلعام بين باعوراء ، وقيل : بلعام بن باعر . والمراد واحد إِلا أَنه اختلف فى اسمه واسم أَبيه من علماء بنى إِسرائيل . وقيل من كنعان ، وكان يرى العرش إِذا نظر إِليه ، قيل : كان فى مجلسه اثنا عشر أَلف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه ، ثم إِنه أَول من أَلف كتاباً لأَنه ليس للعالم صانع . وعن مالك بن دينار C أَنه بعث بلعام بن باعوراء إِلى ملك مدين ليدعوه إِلى الإِيمان فأَعطاه مالا وأَقطعه أَرضا ، وتبعه وترك دين موسى A ، قيل : وكان قد أوتى النبوة واسم الله الأَعظم وإِجابة الدعوة ، ولا يصح أَنه أَوتى النبوة لأَن الأَنبياء لا يعصون صغيرة ، فكيف يشركون . إِلا إِن أُريد بالنبوة علم النبوة ، كما قال A : « من حفظ القرآن فقد طوى النبوة بين جنبيه » ، وروى أَن موسى عليه السلام أَتى أَرض الجبارين ، وهى من أَرض الشام ليقاتلهم ، وهم بنو كنعان ، فأَتوا بلعام وقالوا : إِن موسى شديد ومعه جند عظيم جاءَ ليخرجنا من أَرضنا ويسكن فيها بنى إِسرائيل فادع الله ليردهم عنا . فقال : ويلكم ، كيف أَدعو على نبى الله والمؤمنين ومعهم الملائكة وأَنا أَعلم من الله ما لا تعلمون؟ وإِن فعلت ذهبت دنياى وآخرتى ، وأَلحوا عليه فقال : أَؤُامر ربى .