5
الجزء ٦ · صفحة ٥٣﴿ الرَّحْمن ﴾ مبتدأ خبره قوله : ﴿ عَلى العَرْش اسْتَوى ﴾ أو يقدر هو الرحمن ، أو بدل من المستتر فى خلق على وضع الظاهر موضع المضمر ، كأنه قيل تنزيلا ممن خلق الرحمن السموات ، برفع الرحمن تنزيلا منزلة رابط الصلة ، كقوله : وأنت الذى فى رحمة الله أطمع ، أى فى رحمته وما تقدم أولى ، واستوى خبر ثان للرحمن إذا قدر : هو الرحمن ، وعلى الإبدال يقدر هو استوى .
والعرش فى اللغة سرير الملك ، وفى الشرع سرير ذو قوائم تحمله الملائكة عليهم السلام فوق السموات كالقبة ، كما خلق الله الغار فى الجبل ، وليس الله حالا فيه ولا فوقه ، ومعنى استواءه على العرش أنه ملكه .
روى أن الحسن كان يعظ الناس فوقف عليهم أعرابى فقال : يا أبا سعيد أجلس ربنا على العرش ، فغضب ، فقال يزيد الرقاشى : يا أبا سعيد لقد رأينا صدر هذه الأمة يبغض أحدهم السؤال عن الله سبحانه وتعالى ، ثم يجيب فأجب إن كان عندى جواب؟ فعرف الحسن أنه أساء ، فقال الأعرابى : إياك أسأل يا يزيد رحمك الله ، فقال : يالكع إنما يقوم من يمل القعود ، ويقعد من يمل القيام ، قال : فمتكىء هو؟ قال : إنما يتكىء من يمل القعود والقيام ، قال : أمتصل هو بعرشه؟ قال : سبحان الله تباً لكم إنما يتصل بالمخلوق من هو مخلوق وأما الرب سبحانه فلا مثل له ، ولا يتصل بشىء ، ولا يمسه شىء ، ولا يناله شىء ، وهو أعز وأمنع أن يتنزل بحالة الاتصال ، قال أفمنفصل هو؟ قال : إنما ينفصل ما يحد بحدود ، ولا حد الله تعالى ولا غاية .
قال : سبحان الله هو لا قائم ولا قاعد ، ولا متكىء ولا مضطجع ، ولا متصل ، ولا منفصل فكيف هو؟ قال : لا كيف له ، ويحك أتدرى ما الكيف؟ قال : لا ، قال : إنما الكيف فى الغائب إذا استوصف فيوجد له فى الحاضر ، فيقول الواصف هو كذا أو مثل كذا ، وأما الرب جل وعلا فلا مثل له فيما غاب ، ولا فيما بقى ، ولا يقال له كيف ، ولا يُطلب بالكيف ، إنما يراد بالكيف الشبه والعدل ، والله تعالى ليس كمثله شىء .
وفى الصحيحين عن أبى سعيد : جاء يهودى الى النبى A يشكو صحابياً لطم وجهه ، فقال A : « لم لطمت وجهه؟ » فقال سمعته يقول : والذى اصطفى موسى على البشر ، فغضبت وقلت : يا خبيث اصطفاه على محمد ، فلطمته غيرة ، فقال A : « لا تخيروا بين الأنبياء فإن النسا يصعقون وأكون أول من يفيق ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدرى أفاق قبلى ، أم جوزى بصعقة الطور » فذكر للعرش قوائم ، وإنما نهى عن التخيير قبل أن ينزل عليه أنه سيد ولد آدم ، وأنه إمام الأنبياء ، ونبيهم ونحو ذلك فى أحاديث .