37
الجزء ٦ · صفحة ٨٣﴿ ولَقَد مننَّا عليْكَ مرةً أخْرى ﴾ غير هذه المرة قبل ان تدعونى ، وكيف لا أجيبك فى هذه المرة ، وقد دعوتنى ، وذكر المرة الأخرى فى قوله :
﴿ إِذ أوْحَينا إلى أمك ما يُوحَى ﴾ الخ وأصل المرة المرور الموحد ، ثم أطلق عل ىكل فعلة واحدة ، ثم شاع فى كل فرد مما له أفراد ، واستعمل فى الزمان ، والمراد هنا الزمان الممتد قدر ما يقع فيه خارجا ما ذكر الله D من الإيحاء الى أم موسى الخ ، وأخرى مؤنث آخر بفتح الخاء ، بمعنى مغاير ، وإذ متعلق بمننا بلا واسطة إبدال من مرة ، أو بواسطته ، والإيحاء الى أم موسى إلهام عند الجمهور كقوله D : ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ ولا يرده قوله تعالى : ﴿ إنا رادُّوه إليك ﴾ الخ إذ لا نسلم أن الإخبار بالرد ، ويجعله من المرسلين مختص بالوحى ، لجواز أن يكون إلهاماً مع مشاهدتها منه ما يدل عل الرد ، والجعل كما سمى عبد المطلب ابن ابنه محمداً A ، وقال : رجوت له أن يحمد فى السماء والأرض ، لما رأيت فيه من تعاطى خصال الشرف .
ويمكن أن يكون بعث الله إليها ملكاً كما أرسله الى مريم عليها السلام ، لا على طريق الوحى بالشرع الى الأنبياء ، بلا إشكال لأن الوحى تارة وحتى شرع الى الأنبياء ، وتارة غيرة ، وقيل الوحى فى الآية الإرادة فى النوم ، وقيل وحى على لسان نبى فى زمانها وهو شعيب ، لو كان فى مدين لا فى الشام ، كقوله تعالى : ﴿ وإذ أوحيث الى الحواريين ﴾ فإنه وحى إلى عيسى عليه السلام ، واسمها يحانذر أو محيانة بنت يصهر ابن لاوى ، أو بارخا أو بازخت ، المراد بما يوحى القذف فى اليم ، أو ما ينبغى أن يوحى ، ولا يهمل كما يقال هذا مما يكتب ، أو أوحينا ما لا يعلم إلا بالوحى ، والأول أولى .
لكن لو كان كذلك لقال : ما أوحينا كما قال : ﴿ فأوحى الى عبده ما أوحى ﴾ وكما قال : ﴿ فغشيهم من اليم ما غشيهم ﴾ وعلى هذا يكون المعنى الثانى أولى ، ولو كان الأول أنسب بالمعانى السابقة المرادة بالإيحاء ، إذ بالوحى إليها إجمالا فتتهيأ نفسه الى الاستعداد لفهمه ، ثم فصله تفصيلا يجد أنفساً متهيئة فيقر فيها ، وفسر الوحى بقوله :
﴿ أن اقْذِفيه ﴾ ضعيه بلين ﴿ فى التَّابوت ﴾ فرشاً فرشته بقطن محلوج ، أو نطع وكان من خشب ، أو برد صنعه مؤمن آل فرعون ، وقصصته وقيرته ﴿ فاقذفيه ﴾ أى ضعى التابوت وفيه موسى بلين ﴿ فى اليمّ ﴾ البحر ولا داعى الى جعل هذا القذف الثانى قذفا بعنف ، ويجوز أن يكون القذفان بعنف على معنى العجلة فيهما ، واليم البحر مطلقاً ، وقيل العذب ، وقيل النيل خاصة ، وهو مردود ، ولا يجمع لفظ اليم .