52
الجزء ٦ · صفحة ٩٨﴿ قال علمها عند ربى ﴾ إنما علمنى ربى التوحيد والدعاء إليه ، وإلى عبادته ، ولا علم له بأحوال الماضين ، لأن ذلك قبل نزول التوراة ، فإنما نزلت بعد هلاك فرعون ، وإن كان موسى قد علم منها شيئا كما قال مؤمن آل فرعون ، ﴿ يا قوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب ﴾ الخ فمراد موسى لا علم لى بها كلها أو باكثرها أو كثير منها أو لا علم لى بتفصيلها ، أو ما علمه مؤمن آل فرعون يعلمه من موسى ، وقيل : ﴿ فما بال ﴾ الخ متعلق بقوله : ﴿ والسلام ﴾ الخ أى فهل عذبت القرون الأولى المكذبة ، وقيل : السؤال عن البعث ، وما فى علمها للقيامة ، وهو قول لا يلتفت إليه ، وقيل : متعلق بقوله : ﴿ أعطى كل شىء خلقه ﴾ فإنه يتضمن أنه تعالى عالم بأحوال الخلق ، استبتعد أن يكون الله عالما بأحوال الخلق كلهم ، مع كثرة القرون الأولى ، وانتشارهم ، ولعله خص القرون الأولى من بين الكائنا لعلمه ببعض أخبارهم ، وقيل : متعلق بقوله : ﴿ هدى ﴾ أى ما بال القرون الأولى لم يهتدوا لهذا الهدى ، وكفروا ، وجواب موسى بأن العلم عند الله D يأتى على كل سؤال .
﴿ فى كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ أو الدفتر ، كناية عن أنه محفوظ كما يحفظ الشىء المعتنى به ، لئلا ينسى ، ويلوح إليه بقوله : ﴿ لا يضِل ربِّى ﴾ لا يخطأ ، وقيل لا يضل عما أراد ﴿ ولا يَنْسى ﴾ فيجازيكم على أعمالكم كلها ، والمكتوب حروف لا علمه تعالى ، لكن الحروف تتضمن كلاماً ، والكلام يتضمن أنه عالم D ، والجملتان دفع لأن يحتاج الله الى كتابة أو أن يعجز ، وإنما كتب لحكمة تعليم الملائكة ، ومقابلة الفاعل بما فعل ، والضلال الخطأ باثبات ما لا يكون ، أو نفى ما يكون ، وإذا فسر الكتابة بالكتابة المذكورة ، فالجملتان تذييل لتأكيد الجملة السابقة ، وهما على العموم لا يخطأ فى شىء ما ، ولا ينسى شيئا ما ، فدخل فيهما أحوال القرون الماضية ، والبعث ووقته ، والمطيع والعاصى ، وجزاءهما فى الدنيا والآخرة ، وكا كسبا ، وسعادة السعيد ، وشقاوة الشقى ، فيقدر معمولاهما عامين ، وللعموم حذف أولا يقدر لهما ، بل المراد قطع الضلال والنسيان ، هكذا البتة من أصلهما ، وكتابة العلم وما يحتاج إليه أمر مجمع عليه بعد المصدر الأول .
قال أبو هريرة : ما من أحد من أصحاب النبى A أكثر حديثا منى إلا عبد الله بن عمر ، فإنه كان يكتب ، ولا أكتب قال عبدالله بن عمر : يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث ، أفنكتبه عندك؟ قال : « نعم » قلت : فى الرضا والسخط؟ قال : « نعم ، فإنى لا أقول فيهما إلا حقاً » قال معاوية بن قرة : من لم يكتب علماً لم يعد علمه علما أى لخوف النسيان والشك ، وقد قال الله تعالى عن موسى : ﴿ علمها عند ربِّى فى كتاب لا يضل ربى ولا ينسى ﴾ فسن الله تعالى لنا الكتابة .