37
الجزء ٦ · صفحة ٨٤﴿ فلْيُلقِه اليمُّ بالسَّاحل ﴾ جانب البحر ، أو ما يقابل الوسط ، وهو ما يلى الجانب من البحر ، حيث يجرى الماء الى نهر فرعون ، وعلى كل هو بمعنى الذى يسحله الماء آى يقشره ، فهو فاعل بمعنى مفعول أو للنسب أى ذى سحل ، لكن هذا السحل واقع عليه لا صادر منه ، فهو راجع الى معنى مفعول ، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل على معنى يفرق الماء ، أو على معنى ينهق تشبيها لصوت الماء عليه بسحيل الحمار ، أى نهيقه ، واختير صيغة الأمر مع أن المراد الإخبار للمبالغة ، كقوله A : « قوموا فالأصل لكم » وقد اعتبر معنى الأمر حتى جزم فى جوابه ، وهو قوله D :
﴿ يأخُذه عدوّ لى وعدوّ له ﴾ أو لما قضى الله D أن يلقيه اليم ، كان قضاؤه كأمر للبحر ، جعل البحر كالمتميز الممتثل للأمر ، تشبيهاً مصغراً مرموزاً إليه باللازم ، وهو الأمر فإن المميز لا يؤمر ، فإثبات الأمر تخييل ، وهاءات اقذفيه الى قوله : ﴿ وعدو له ﴾ لموسى ، ولو صلح ما قبل عدو له للتابوت ، لأن المقصود بالذات موسى ، وعليه الكلام ، وفى ذلك عدم تفكيك الضمائر ، وهو أولى ، وقيل عائدات للتابوت إلا هاء ﴿ عدو له ﴾ .
وقال بعض : إن هاء يأخذه لموسى أيضا ، وفيه أنه لا فرق بينها وبين سائر الهاءات سوى قرنه بعداوة ، كالذى قبله ، ولا يتعين عود الضمير للأقرب إذ ترجح عوده لغيره لحكمة ، ككون المراد بالذات موسى ، وأعاد العدو للمبالغة بذكر عداوتين ، إذ لم يقل عدو لى وله ، ولو قاله لصح ، وليس فيه الجمع بين الحقيقة والمجاز ، فضلا عن أن يخرج على عموم المجاز ، لأن فرعون عدو لله حين الأخذ ، وعدو لموسى أيضا إذ كان يبغض الأولاد لما علم أن ملكه يزول على يد ولد ، فلا حاجة الى ما قيل إنه عدو لله فى الحين ولموسى فى ما بعد .
﴿ وألْقيتُ علَيْك محبةً منِّى ﴾ نعت محبة ، أو متعلق بألقيت ، ولا يمنعه عمل عامل فى ضميرين لواحد ، لأن أحدهما بجار ، والمراد محبة عظيمة ، ما بالك بشىء هو من الله بإخباره أنه من الله D ، كل من رآه أحبه ، ولا يصبر عنه كحال عينيه ، ومسحة جمال عليه فى جميع أعضائه ، وقيل ذلك الحب حب الله إياه ألقاه فى القلوب إنعاماً عليه ، لا على طريق الثواب ، لأنه وليد لا عمل له إذا أحب الله عبداً ألقى حبه فى القلوب ، ولعله لما سيعمل رأى التابوت هو وزوجه من موضع مشرف على النيل ، على رأس بركة فى بستان فى الساحل ، فأمر به ففتح فإذا صبى أصبح الناس وجهاً .
وقيل إن التابوت جاء الى المشرعة التى تستقى منها جوارى فرعون ، فحطن به يحسبنه مالاً ، وطلبت أن يتخذه ولداً ، وقد أخذ جماله بمجامع قلبها وقلبه ، وقالت : إنه قرة عين لى ولك ، فقال لها : لك ولا حاجة لى فيه ، وقد أخذ حبه بقلبه إذ رآه إلا أنه كتم ذلك ، قال A :