تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

4

الجزء ٦ · صفحة ٢٨٥

﴿ كُتِبَ عليْه ﴾ أى على الشيطان ﴿ أنه ﴾ اى الشأن أولى من عوده إلى الشيطان ﴿ مَنَّ ﴾ شرطية ، والمقام للعموم كمنا هو شأن الشرطية لا موصولة ، لأن أصلها العهد ، وللاحتياج الى زيادة الفاء ﴿ تولاَّه ﴾ المستتر لمن ، ولاهاء للشيطان أى اتبع الشيطان ، واتخذه ولياً أو بالعكس ، أى صار الشيطان والياً عليه غالبا له ﴿ فإنه ﴾ أى الشيطان ﴿ يُضلهُ ﴾ عن الحق الذى هو طريق الجنة ﴿ ويَهْديه ﴾ يوصله ﴿ لى عذابِ السَّعير ﴾ الىعذاب النار المسعورة ، أى الموقدة ، وجملة من تولاه الخ خبر أن ، والمصدر نائب فاعل كُتب أى كتب عليه إضلال متوليه ، أو متولاه وهداه إلى عذاب السعير ، وجلمة كتب ونائبه نعت شيطان ، ومعنى كتب قضى وقد ، أو كتب عليه بالحروف أنه من تولاه الخ أى رسم عليه الإضلال والإيصال الى النار كتابة لا يتخلف عما فيها ، وأصل الهداية أن تكون الى خير فاستعمالها فى السوء استعارة تهكمية تمثيلية ﴿ يا أيُّها الناس ﴾ الكفار بإنكار تحققق البعث ﴿ إن كنُتْم فى ريْبٍ ﴾ شك ﴿ من البَعْث ﴾ من إمكان البعث ، عبر بالريب مع جزمهم بالإنكار تلويحاً الى أن إنكار لوضوح دلاله ، كأنه لم يكن ، وليس فى شىء من الاحتمال ، كما أن التصدير بأن ، وتنكير ريب تلويح أن حقه أن يضعف ، ويشك فيه عندكم لا أن ينكر ، أو عبر بالريب مع جزمهم بالانكار تنبيها على أن جزمهم بالإنكار بمنزلة الشك الضعيف لقوة الدلائل ، ومن بمعنى فى متعلق بريب ، وعدل إيها لئلا تتكر فى أو مبعنى لابتداء تتعلق بمحذوف نعت لريب ، واستظهر أن المراد فى ريب من إمكان البعث ، كما يدل له إثبات الإمكان فى قوله .

﴿ فإنَّا خلقناكم من تُرابٍ ﴾ الخ واجيز أن يكون المراد فى ريب من وقوع البعث ، واعترض بمخالفته لما اتصل به من إثبات الإمكان ، وتكرره مع قوله : ﴿ إن الله يبعث من فى القبور ﴾ ويجاب بأنه لا تكرر ، لأن هذا شك منهم فى الوقوع ، وأن الله يبعث من فى القبور ، جزم من الله بالوقوع رداً عليهم ، وأيضا لو تكرر لم يضر ، لأن المراد التأكيد ، والفصل ، ولأن المعنى كيف تشكون فى وقوع البعث ، مع أنه قد وقع خلقه لكم من تراب ، والجملة تعليل نائب عن جواب الشرط ، أى أخطأتم فى شككم ، لأنا خلقناكم من تراب أن أصلهم الذى تكونوا منه من تراب وهو آدم ، أو الأغذية التى كونوا منها من تراب .

﴿ ثمَّ من نُطْفةٍ ﴾ منى من النطف ، وهو التقاطر ، أو من قولهم للماء القليل الصافى نطفة ، والمراد ما يشمل ماء الرجل وماء المرأة ، ولو كان ماء الرجل أكثر ، والمراد نطفة كل أحد ، وزعم بعض أن المراد نطفة آدم ﴿ ثُم من عَلَقةٍ ﴾ قطعة جامدة من الدم ، متكونه من النطفة ﴿ ثُم من مُضْغةٍ ﴾ قطعة من اللحم صغيرة قدر ما يمضغ تكونت من العلقة ﴿ مُخَلَّقةٍ ﴾ تعظم بعد فيكون إنسانها عظيم الجسم ﴿ وغير مُخَلَّقةٍ ﴾ يكون إنسانها صغير الجسم ، أو التخليق إظهار أعضاء بعد أن كانت غير مظهرة كسائر الترتيب قبل أن تكون أولا غير متبينة الأعضاء ، ثم تكون متبينة ، وعلى هذا الأصل تقديم غير مخلقة على مخلقة ، ولكن أخرت لكونها عدم وجود ، والوجود أولى بالتقديم ، والكلام فى إيجاد مالم يكن ، والإيجاد فى مخلقة ، وعبر بالتخليق لا بالخلق لكثر الأعضاء المختص كل واحد منها بخلق وصورة .

٢٬٧٨٥ / ٦٬٠٩٣