تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

78

الجزء ٦ · صفحة ٣٥٤

﴿ وجاهدوا فى الله ﴾ جاهدوا الكفار لله ، أو جاهدوا فى سبيل الله ، والجهاد استفراغ لجهد أى الطاقة فى شىء ، والمراد جهاد المشركين ، ويقاس عليه المبتدعة والفسقة ، بحسب ما يكون ، وجهاد الشيطان والنفس ، قال جابر بن عبد الله : قدم على رسول الله A قوم غزاة فقال : « قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر » قيل : ما الجهاد الأكبر؟ قال : « مجاهدة الهوى » وفى سنده ضعف يجبره صحة المعنى ، والأحاديث الأخر فى هذا المعنى ، ولا مانع من تفسير الآية بذلك كله ، وقرأ الحسن الآية فقال : إن رجل ليجاهد فى الله وما ضرب بسيف .

﴿ حقَّ جهادِهِ ﴾ أى الجهاد الذى ينسب الله ، ويفعل لوجهه بأن أمر به ، ويعبد به وهو الذى بإخلاص وعدم تقصير ، كما تقول فى التمر المتَّبلس لله : تمر الله ، باضافته لله ، ولا حاجة الى تقدير جهاداً فيه حقاً ، ومن قال : المراد أطيعوا الله جداً قال نسخ بقوله تعالى : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ وأما أن تفسر بلا تعصوا البتة ، فلا يقبل النسخ ، لأنه يفضى الى إباحة بعض المعصية .

قال عمر لعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما : ألسنا كنا نقرأ ﴿ وجاهدوا فىلله حق جهاده ﴾ فى آخر الزمان كما جاهدتم فى أوله فقال : بلى ، قال : متى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال : إذا كان بنوا أمية الأمراء ، وبنو المغيرة الوزراء ، وهذا الزيادة تفسير لا تلاوة ، ولو كانت ونسخت تلاوتها لشهر .

﴿ هُو اجتباكم ﴾ اختاركم لعبادته وجهاد عدوه ، ومجاهدة أنفسكم بترك ما تدعو اليه مما لا يرضى الله به ﴿ وما جَعَل عليْكُم فى الدين من حَرجٍ ﴾ تكليف ما لا تطيقونه ، أو يشتد عليكم جداً ، وذلك إما ابتداء أو تسهيل بعد تكليف ، قوله A : « إن أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم » ويل ذلك جعله التوبة لنا كلما أذنبنا ، والقصاص والدية والأرش والكفارة واستشكل بعض إدخال التوبة فى ذلك .

﴿ ملة أبيكُم إبراهيمَ ﴾ منصوب على الإغرء ، أى الزموا ملة أبيكم إبراهيم أو مفعول بأعنى أى أعنى بالدين ملة أبيكم قيل أو مفعول مطلق من معنى نفى الحرج ، لأن معناه التوسعة على حذف مضاف ، أى وسع عليكم توسعة ملة أبيكم ، وهذا عجيب ، كما أجيز أن يكون ابراهيم لاتبعوا محذوفاً ، وإنما هو بدل أو بيان من أبيكم ، والمراد بالملة الأصول ، وما لم ينسخ من الفروع ، وسمى أباً لأن أكثر العرب أو أشرفهم وهم قريش من ذريته ، ولأنه أبو رسول الله A ، وهو كالأب لأمته ، إذ هو سبب لمنافع الدنيا والدين ، والحياة الطيبة فى الآخرة ، بل ابراهيم نفسه أيضا كذلك ، ولو كان سيدنا محمد A أعظم فى ذلك .

٢٬٨٥٤ / ٦٬٠٩٣