تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

83

الجزء ٩ · صفحة ٢٨٧

﴿ فلمَّا جاءتهمْ رسُلُهم بالبينات ﴾ الآيات المتلوة والمعجزات ﴿ فرحُوا بما عنْدهم من العِلْم ﴾ معنى فرحوا استغنوا لعلاقة اللزوم والسببية ، فان الفرح بالشىء سبب وملزوم للاستغناء به عما لم يفرح به ، أو فرحوابما عندهم من العلم بعد أن قابلوه بما جاءت به الرسل ، فوجدوه أفضل مما جاءت به على زعمهم ، وذلك أما عقائدهم وشبههم فى المبدأ أو المعاد ، أو أحوال الآخرة ، وتسميتها علما باعتبار زعمهم وتهكما ، واما علم الفلاسفة واليونان الدهريين ، يحتقرون علم الأنبياء الى علمهم .

قيل لسقراط : آيات موسى عليه السلام تهذبك بالشرع ، فقال : نحن قوم مهذبون لا نحتاج الى مهذب ، وهو مطابق للواقع ، لأن فيه الاستغناء عما جاءت به الرسل ، وإما الجهل فسماه علما تهكما ، قيل : ولاغتباطهم به وضع فرحوا الخ موضع لم يفرحوا بما جاءت به الرسل ، وهذا ضعيف جدا لا دليل عليه ، وفيه تخليط بالتعبير عن الجملة المثبتة بالجملة المنفية بلا دليل ، والضمير فى فرحوا وعندهم للكفار ، وإما أن يجعل الواو للكفار ، والهاء للرسل ، فرح للكفار فرح ضحك بعلم الرسل ، وفيه أنه لا دليل على أن الفرح الضحك ، وقوله تعالى :

﴿ وحاق بهِم ما كانُوا به يستهزئون ﴾ أى أحاط بهم عقاب ما كانوا يستهزئون به من الوحى ، أى العقاب الذى استحقوه لاستهزائهم به ، لا يكون دليلا لهذا الوجه الأخير ، بل صالح للوجوه كلها ، وإما أن يجعل الواو والهاء للرسل ، أى فرح الرسل بعلمهم لنجاتهم به لما رأوه الكفرة هلكوا بتكذيبهم به ، وفيه تفكيك الضمائر إذ أن الهاء فى جاءتهم للكفرة لا للرسل ، وإما أن الضميرين للكفار فى فرحوا بما عندهم من العلم ، والعلم علمهم بأمر الدنيا ، والمستغنون هم به عن علم الوحى ، وهذا هو الراجح كقوله تعالى : ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ﴾

٤٬٢٨٧ / ٦٬٠٩٣