تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

39

الجزء ٤ · صفحة ٩٨

﴿ بَلْ كَذَّبُوا ﴾ أَى سارعوا إِلى التكذيب بدليل قوله ﴿ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ فإِنهم كذبوا قبل أَن يتعرفوه وقبل انتظار تأْويله ، وذلك عجلة ومسارعة للهوى ، أَو للعناد فأَنى لهم افتخار بالعناد كما يسمعون أَولادهم بالعاصى بمعنى أَنه قوى لا يلين لأَحد . . . وقال شاعر :

فعاند من تطيق له عنادا … والعناد يكون قبل العلم وبعده ، والمراد القرآن ، ويجوز أَن يكون المراد مضمونه من البعث والجزاءِ وما يخالف دينهم ، ومعنى الإِضراب ذمهم على العناد وأَمره بالإِعراض عن تحديهم بأَن يأْتوا بسورة فإِنهم ليسوا أَهلا لذلك لكونهم مكبي على العناد ، والواو للحال أَو عاطفة على لم يحيطوا إِلخ ، وتأْويله عاقبة ما فيه من قولك أَولت الشىءَ بمعنى أَرجعته ، فالله جل وعلا يرجع أَلفاظ القرآن إِلى حضور معانيه الذى من شأْنه أَن ينتظر وقوعه ، وهو وقوع ما أَخبر من الغيوب وقبول الأَذهان بالتفكر فيه ، أَو المراد العذاب ، ولو جاءَهم العذاب لم ينتظر بعد ، ولم ينفعهم شىءٌ ، والنفى بلما دليل على أَنه سيأْتيهم تأويله ، وقد أَتاهم قبل نزول هذا الآية بعضه ، فأَخبر الله أَنهم كذبوا قبل التأْويل ، ولما جاءَهم التأْويل استمروا على الكفر ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ رسلهم وأَنبياءَهم بلا تأَمل أَو عنادا فأُهلكوا ، أَن يهلكوا كما أُهلك من قبلهم كما قال ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ من الهلاك كذلك تكون عاقبة قومك إِن لم يؤمنوا .

١٬٥٩٨ / ٦٬٠٩٣